محمد المختار ولد أباه

135

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

ما تردد اسم أبي الحسن الأخفش . ولا غرابة في هذا إذا استذكرنا أنه استوعب علم سيبويه لما قرأ عليه الكتاب وفي ذلك يقول « كان آنذاك أعلم مني ، وأنا اليوم أعلم منه » « 1 » ثم إنه قبل دراسته تربى في بيئة عربية خالصة ، وسمع من فصحاء بادية البصرة ، وأفاد الكثير من علمائها ، ثم انتقل إلى بغداد ، وتوطدت العلاقة بينه وبين أستاذ الكوفة الكسائي الذي سمع منه كتاب سيبويه ، وتأثر كل منهما بالآخر ؛ ثم تتلمذ له علمان من أجل أعلام المدرسة البصرية ، وهما أبو عمرو الجرمي ، وأبو عثمان المازني ، فصار نحو الأخفش بمثابة المجمع الذي انصبت فيه موارد مختلفة وانطلقت منه مصادر متشعبة ، حملت بعض المؤرخين المعاصرين على القول بأنه أول من فتح الخلاف على سيبويه . كان ذلك رأي الأستاذ شوقي ضيف في كتابه المدارس النحوية ، بيد أن البحث المستفيض الذي خصص له في هذا الكتاب لا يكشف كل ما يحيط بشخصية الأخفش من ضباب « 2 » . ذاك أن الدكتور شوقي ضيف استنتج من صلاته بالكسائي ، وتأثيره على الفراء واعتماده مجموعة من الآراء خالف فيها أئمة البصريين ، أنه أستاذ المدرسة الكوفية . والمسائل التي تأسس عليها هذا الحكم استخلصت من ثنايا ما روي عن ابن هشام في المغني ، والسيوطي في الهمع ، لكن لما نشر له كتاب معاني القرآن بتحقيق د . عبد الأمير الورد ، وبعد الدراسة الشاملة التي خصص له هذا المحقق في كتاب « منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية » صار في الإمكان إجراء مقارنة بين ما نسب إلى الأخفش في كتب المتأخرين وما هو مثبت في كتاب معاني القرآن . والذي يتضح من هذه المقارنة أن أكثر القضايا التي تناولها في كتاب معاني القرآن ، تابع في أكثرها رأي البصريين خلافا لما ذكر عنه ، إذ من المحتمل أن تكون آراؤه قد تعددت في القضية الواحدة . وضياع أصول أكثر مؤلفاته وبالخصوص كتاب المسائل الكبرى يؤيد هذا الاحتمال .

--> ( 1 ) أبو الطيب اللغوي : مراتب النحويين ، ص 112 . ( 2 ) المدارس النحوية ص 96 .