علي الجارم / مصطفى أمين

131

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

بلاغة الكناية الكناية مظهر من مظاهر البلاغة ، وغاية لا يصل إليها إلا من لطف طبعه وصفت قريحته ، والسّرّ في بلاغتها أنها في صور كثيرة تعطيك الحقيقة مصحوبة بدليلها ، والقضية وفي طيّها برهانها ، كقول البحتري في المديح : يغضّون فضل اللّحظ من حيث ما بدا * لهم عن مهيب في الصّدور محبّب فإنه كنى عن إكبار الناس للممدوح وهيبتهم إيّاه بغضّ الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال ، وتظهر هذه الخاصة جلية في الكنايات عن الصفة والنسبة . ومن أسباب بلاغة الكناية أنها تضع لك المعاني في صور المحسّات ، ولا شك أنّ هذه خاصة الفنون فإن المصوّر إذا رسم لك صورة للأمل أو اليأس بهرك وجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحا ملموسا . فمثل « كثير الرّماد » في الكناية عن الكرم و « رسول الشرّ » في الكناية عن المزاح وقول البحتري : أوما رأيت المجد ألقى رحله * في آل طلحة ثم لم يتحوّل في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة ، كلّ أولئك يبرز لك المعاني في صورة تشاهدها وترتاح نفسك إليها . ومن خواص الكناية أنها تمكّنك من أن تشفى غلتك من خصمك من غير أن تجعل له سبيلا ؛ ودون أن تخدش وجه الأدب ، وهذا النوع يسمى بالتعريض ، ومثاله قول المتنبي في قصيدة يمدح بها كافورا ويعرّض بسيف الدولة : رحلت فكم باك بأجفان شادن * علىّ وكم باك بأجفان ضيغم « 1 »

--> ( 1 ) الشادن : ولد الغزال ، والضيغم : الأسد ، أراد بالباكى بأجفان الشادن المرأة الحسناء ، وبالباكى بأجفان الضيغم ، الرجل الشجاع ، يقول كم من نساء ورجال بكوا على فراقي وجزعوا لارتحالى .