علي الجارم / مصطفى أمين

116

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

البحث : انظر إلى المثالين الأولين تجد أن الفعل في كل منهما أسند إلى غير فاعله ، فإن العكاز لا يمشى ، والأمير لا يبنى ، وإنما يسير صاحب العكاز ، ويبنى عمّال الأمير ، ولكن لما كان العكاز سببا في المشي والأمير سببا في البناء أسند الفعل إلى كل منهما . ثم انظر إلى المثالين التاليين تجد أن الصوم أسند إلى ضمير النهار ، والقيام أسند إلى ضمير الليل ، والازدحام أسند إلى الشوارع ، مع أن النهار لا يصوم ، بل يصوم من فيه ، والليل لا يقوم ، بل يقوم من فيه ، والشوارع لا تزدحم ، بل يزدحم الناس بها ، فالفعل أو شبهه في هذين المثالين أسند إلى غير ما هو له ، والذي سوّغ ذلك الإسناد أن المسند إليه في المثالين زمان الفعل أو مكانه . وفي المثال الخامس أسند الفعلان « جدّ » و « كدّ » إلى مصدريهما ولم يسندا إلى فاعليهما . وفي المثال السادس يقول الحطيئة لمن يهجوه : « واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى » فهل تظن أنه بعد أن يقول : لا ترحل لطلب المكارم يقول له : إنك تطعم غيرك وتكسوه ؟ لا . إنما أراد اقعد كلّا « 1 » على غيرك مطعوما مكسوّا فأسند الوصف المسند للفاعل إلى ضمير المفعول . وفي المثالين الأخيرين جاءت كلمة « مستورا » بدل ساتر و « مأتيّا » بدل آت ، فاستعمل اسم المفعول مكان اسم الفاعل ، وإن شئت فقل أسند الوصف المبنىّ للمفعول إلى الفاعل . فأنت ترى من الأمثلة كلها أنّ أفعالا أو ما يشبهها لم تسند إلى فاعلها الحقيقي ، بل إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه أو مصدره ، وأنّ صفات كانت من حقها أن تسند إلى المفعول أسندت إلى الفاعل . وأخرى كان يجب أن تسند إلى الفاعل أسندت إلى المفعول ، ومن

--> ( 1 ) الكل : من يعوله غيره .