يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

94

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

وأنشد : * أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهيّة والخشابا " 1 " أراد : أذكرت ثعلبة الفوارس أو قست أو مثلت ، وما يقارب الفعل المذكور مما يتعدى بغير حرف جر . وأراد بثعلبة : القبيلة ، فلذلك ، نعتها بجمع . وطهية والخشاب قبيلتان . قال : " ومثل ذلك : أعبد اللّه كنت مثله ؟ وأزيدا لست مثله ؟ " . اعلم أن ( كان ) بمنزلة ضرب في التصرف والعمل . فقولك : كنت زيدا ، بمنزلة : ضربت زيدا . وقولك : مثل زيد بمنزلة قولك : ضربت مثل زيد ، فإذا قلت : أعبد اللّه كنت مثله ؟ ، فهو كقولك : أعبد اللّه ضربت مثله ؟ وضربت أخاه و " ليس " هي بمنزلة " كان " وإن كان لا تتصرف . وقد فهم من قول سيبويه في هذا الموضع أنه يجيز : قائما ليس زيد ، ويقدم خبر ليس عليها . وإنما منع ليس من التصرف في نفسها أن معناها في زمان واحد ، وهو أنها تنفي الحال ، فاستغنى عن أن يؤتى منها بمستقبل . وإنما عرف أن هذا من مذهبه ، وتؤول عليه جوازه أنه قد سوى بين : لست مثله ، وبين : أزيدا كنت أخاه ؟ فلو أسقطت المثل قلت : أزيدا لست ؟ كما تقول : أزيدا كنت ، فاعلمه ؛ لأن الفعل الظاهر لا يكون تفسيرا لمضمر يعمل في الأول حتى يصلح فيه أن يحذف ما اشتغل به ، فيعمل هو بنفسه فيما قبله . والدليل على ذلك أنك لو قلت : أزيدا أنت الضاربة ؟ لم يجز نصب زيد ؛ لأن الضاربة لا يعمل فيما قبله ، فكذلك لا يكون ( ناصبا ) لغيره . قوله : " وتقول : أعبد اللّه ضرب أخوه غلامه " إلى قوله : " وإن جعلته كزيد فاعلا " . فالأول نصب . جملة هذا الكلام أن الاسم الذي يلي حرف الاستفهام إذا أتى بعده سببان له ، أحدهما فاعل والآخر مفعول ، فلا بد من حمله على أحدهما ، ولا يمكن حمله عليهما ؛ لأنه لا يكون مرفوعا منصوبا في حال واحدة . فإن حملته على أحدهما صار الآخر كأنه أجنبي . فإن حملته على السبب المرفوع رفعته ، وإن حملته على السبب المنصوب نصبته . قال : " وتقول السوط ضرب به زيد وكذلك : الخوان أكل عليه اللحم " .

--> ( 1 ) ديوانه 1 / 66 ، شرح الأعلم 1 / 52 ، شرح النحاس 84 ، شرح السيرافي 2 / 539 .