يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
90
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
كالقول فيما تقدم . قوله : " ومما يختار فيه النصب قول الرجل : من رأيت وأيهم رأيت " إلى قوله : " كلمت زيدا وعمرا لقيته " . اعلم أن المستفهم : الاختيار له في كلامه أن يورد الجواب على منهاج الاستفهام ، فإذا قال المستفهم : من رأيت ؟ وأيهم رأيت ؟ قال : زيدا ، فنصب زيدا بمثل الفعل الذي وقع على الاستفهام ، كأنه قال : رأيت زيدا . وإذا قال : أيهم رأيته ؟ فالاختيار في الجواب أن تقول : زيد ، فترفع كما رفع المستفهم أيا ، فيختار أن يكون الجواب على منهاج الاستفهام حتى يجري مجرى العطف في أنه تابع للاستفهام . فإذا قال : من رأيت ؟ قلت : زيدا رأيته ، فتنصب الاسم بإضمار فعل ، فكأنه قال : رأيت زيدا رأيته ، فقد جرى الجواب مجرى العطف في قولك : رأيت زيدا وعمرا رأيته . قال الأخفش : يجوز إذا قلت : أيهم ضربته ؟ أن تقول : زيدا ضربته ؛ لأن الهاء منصوبة ، وهي في المعنى مستفهم عنها . فمعنى كلام الأخفش أن الرفع والنصب جميعا اختيار فالرفع على اللفظ ، والنصب على المعنى . وليس الأمر إلا ما قاله سيبويه ، وذلك أن المعنيين إذا تساويا في اللفظ والمعنى ، كان اتباع اللفظ أولى بالاختيار . ألا ترى أن قوله : مررت بزيد وعمرو ، أولى من : مررت بزيد وعمرا . وقد تقدم ذكر الحجج على ذلك في المطابقة بين الألفاظ مع أن الجواب إنما يكون مردودا على الاسم الذي وقع به السؤال لا على ضميره ، ولا شيء من أسبابه . ألا ترى أنك لو قلت : أيهم ضربت غلامه ؟ لم يكن الجواب مردودا إلا على " أي " دون الغلام . فكذلك ينبغي أن يكون مع ضميره مردودا عليه نفسه دون الضمير ، كما كان مردودا عليه دون السبب . قال سيبويه : " فإن قال : عبد اللّه مررت به أم زيدا ؟ قلت : زيدا مررت به . كما فعلت ذلك في الأول " . يعني تنصب في الجواب كما نصب هو في المسألة . ثم قال : " ولو قلت : مررت بعبد اللّه وزيدا . كان عربيّا . فكيف هذا ؟ " . يعني أنك إذا قلت : مررت بعبد اللّه وزيدا جاز على تأويل : لقيت عبد اللّه وزيدا ، فإذا جاز هذا في العطف ، كان قولك : أعبد اللّه مررت به ؟ أولى .