يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
82
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
الباب إلا الجرمي ومن ذهب مذهبه ، فإنهم لا يرون إجراء الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفعولين على القياس في هذا الباب ؛ لأن هذا الباب خارج من القياس ، وإنما يستعمل فيما استعملت العرب وتكلمت به . وسائر النحويين يقيس ذلك في جميع الأفعال . واعلم أن الفعل المتعدي إلى مفعولين مما لا يجوز فيه الاقتصار على أحدهما سبيله سبيل أعطيت إلا في الاقتصار على أحد المفعولين تقول : ظنّني وظننت زيدا منطلقا إياه - والنون والياء هما المفعول الأول للظن ، فأنت مضطر إلى ذكر الثاني ؛ لأنه لا يقتصر على أحد المفعولين ، فجئت به في آخر الكلام ليرجع على منطلق ؛ لأن المفعول لا يضمر قبل الذكر . قال سيبويه مستشهدا للمحذوف في مسائل هذا الباب : " وقد جاء في الشعر من الاستغناء ما هو أشد من هذا . وذلك قول قيس بن الخطيم " : * نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راضى والرأي مختلف " 1 " أراد : نحن بما عندنا راضون . وتأول أبو الحسن بن كيسان هذا البيت على غير حذف - وهو قول غريب - فقال : تجعل قوله لواحد ، كأنه قال : نحن راض بما عندنا ثم عطف " واو " أنت على نحن . وأنشد لضابئ البرجمي : * فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيارا بها لغريب " 2 " فجاء بخبر أحدهما وقيار : اسم فرس له . وقال ابن أحمر : * رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني " 3 " وحق الكلام أن يقول : بريئين . فهذه الأبيات أشذ مما ذكر في المسائل المتقدمة ، وذلك أنه حذف خبر الاسم الذي لا بد منه اكتفاء بخبر الاسم الأخير وما ذكره ، فإنما حذف منه المفعول المستغنى عنه . ويروى : " ومن جول الطوى رماني " . فمن روى : ومن أجل الطوى : يعني بسبب الطوى ، والطوى : البئر ، وإنما كانت بينهم مشاجرة في بئر ، فبهته بسبب ما كان بينهم من المشاجرة وقذفه لما لم يكن فيه .
--> ( 1 ) المقتضب 3 / 112 ، إعراب القرآن 2 / 611 ، شرح النحاس 34 ، شرح السيرافي 2 / 445 . ( 2 ) شرح الأعلم 1 / 38 ، معاني القرآن 1 / 311 ، الكامل 1 / 320 ، شرح النحاس 33 . ( 3 ) شرح الأعلم 1 / 38 ، معاني القرآن 1 / 458 ، شرح النحاس 34 .