يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
77
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
ونظير هذا في كلام العرب ، وعليه مخرج الآية في قوله عز وجل : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . . . [ الجاثية : 5 ] . وآيات إنما هو لاتصال المحذوف بحرف العطف ، وتقدمه لفظا ومعنى كما تقدم في الآية . وأما قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ [ يونس : 27 ] أراد : وللذين فحذف حرف الجر ، فهو كقولك : في الدار زيد والحجرة عمرو . فهذا بين لا اعتراض فيه . فقد تبين أن مخرج البيتين اللذين أنشد سيبويه على هذا فاعلمه إن شاء اللّه . وتقول : ( ما كل سوداء ثمرة ولا بيضاء شحمة ) ، وإن شئت أظهرت " كل " فقلت : ولا كل بيضاء . واحتج بعض النحويين بأن هذا عطف على عاملين وذلك أن بيضاء جر عطفا على سوداء ، والعامل فيها " كل " وشحمة منصوبة على خبر " ما " . وجعله سيبويه على غير ذلك وتأوله تأويلا أخرجه عما قاله القائل ، فقال : بيضاء مجرورة " بكل " أخرى محذوفة مقدرة بعد " لا " ، وليست بمعطوفة على " سوداء " فلم يحصل العطف على عاملين . قال أبو دؤاد : * أكل امرئ تحسبين امرءا * ونار توقد بالليل نارا " 1 " أراد : وكل نار توقد ، فاستغنى عنه تثنية كل بذكره إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب ، وجعله سيبويه بمنزلة قولك : " ما مثل عبد اللّه يقول ذاك ولا أخيه " . فهذا يحتمل أن يكون مثل مقدرا بعد " لا " ويجوز أن " لا يكون " مقدرا ، ويكون مثل الأول فاعلا في الاسمين ، وإن شئت قلت : ولا مثل أخيه . فإن قلت : " ما مثل عبد اللّه يقول ذاك ولا أخيه يكرهه " . فهذا لا محالة تقدر فيه مثل بعد " لا " ، فلما جاز حذف " مثل " بعد الثاني - اكتفاء في هذه المسألة - جاز في التي قبلها . ومثل هذه المسألة : " ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك " فلا بد من تقديره " مثل " ؛ لأنه لو كان " أبيك " معطوفا على " أخيك " ، والعامل مثل الأول ، ما جاز أن يثنى يقولان ، فلما ثناه علمنا أن تقديره : ما مثل أخيك ولا مثل أبيك يقولان ذاك ، و " مثل " الأول غير الثاني .
--> ( 1 ) ديوان أبي دؤاد 253 ، الأصمعيات 191 ، الكامل 1 / 287 ، شرح النحاس 81 .