يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
61
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
فيهما زمانا محصلا ( أو نفيا ) أو انتقالا أو دواما وهي كان وأخواتها . فأما كان فلها ثلاثة معان : أحدهما : أن تفيد زمانا محصلا ، كقولك : كان زيد عالما وكذلك : يكون زيد منطلقا . وقد تكون دالة على انقطاع ما وقعت عليه ، وغير دالة على ذلك . - فأما ما لم ينقطع : فقول اللّه عز وجل وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * [ النساء : 5 ] ، وهو في كل حال موصوف بذلك . - وأما ما انقطع : فقولك : " قد كنت غائبا وأنا الآن حاضر " . - والمعنى الثاني : أن تكون في معنى حدث ووقع ، كقولك : " كان الأمر " أي : وقع . - والوجه الثالث : أن تكون زائدة لتدل على زمان دون أن يكون لها اسم ولا خبر ، أو تقع على شيء مذكور ، وذلك قولك : " زيد كان قائم " ، وفاعلها مصدرها ، فدلت ههنا على الزمان الماضي ؛ لأنك لو قلت : " زيد قائم " لوجب أن يكون ذلك في الحال . ويجوز أن تكون واقعة على ضمير " زيد " ، ويحذف خبرها لدلالة المبتدأ عليه ، فيكون التقدير : زيد قائم كان كذلك ، أي : كان قائما . ويشهد لهذا التقدير قول الفرزدق : * فكيف إذا مررت بدار قوم * وجيران لنا - كانوا - كرام " 1 " فزاد " كان " بين النعت والمنعوت كما ترى ، وبين المبتدأ والخبر ، وأتى باسمها وحذف خبرها لعلم السامع كما ترى وكان التقدير : وجيران لنا كرام كانوا كذلك ، أي : كانوا لنا جيرانا ، أو كانوا كراما . فإن قلت : خبرها هنا : المجرور الذي قبلها فلم يحذف لها بخبر كما ذكرنا . فالجواب : أن المجرور قبلها صلة للخبر المحذوف المقدر ، وهو الإخبار عنهم بالجوار ، ولا يجوز أن يكون المجرور هو الخبر بعينه ؛ لأنك لو قلت : " كان لي زيد " ، لم يجز إلا أن يكون لك ملكا على حد قولك : كان لي الغلام والمال إلا أن يكون على حذف شيء معلوم كقول القائل : من كان لك جارا أو صديقا ؟ ونحو ذلك ، فتقول : كان لي زيد : كان لي جارا أو صديقا أو نحوه . فعلى هذا يخرج قول الفرزدق ، ولا يجوز أن يتأول فيه غيره . فأما " صار " : ففيها معنى الانتقال وهي تدخل على جملة لم يكن لها مثل تلك الحال من قبل كقولك : " صار زيد عالما " أي : انتقل إلى هذه الحال ، وقد تدخل على غير جملة لما فيها
--> ( 1 ) ديوان الفرزدق 2 / 853 ، شرح الأعلم 1 / 289 ، شرح النحاس 24 ، الصاحبي 247 ، أوضح المسالك 4 / 182 .