يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
410
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
والنصب : على تقدير الظرف ورفع " أن " بالابتداء ، ويكون التقدير : أفي زمن حق أنك ذاهب ؟ ، ثم حذف " زمن " كما قيل : " سير عليه مقدم الحاج " . وذهب المبرد إلى أن الخليل رفع " أنك " بالظرف في هذا الموضع للضرورة كما ترفع بالظرف المضمر في قولك : " زيد في الدار وعمرو عندك " ورفع المضمر بالظرف صحيح ، وأما رفع الظاهر ، فليس بمذهب سيبويه والخليل . والذي دعا المبرد إلى حكاية هذا عن الخليل ، أنه لما ذكر : أفي حق أنك ذاهب ؟ " ، قال عقيبه : " فصارت أن مبنية عليه كما يبني الرحيل على غد إذا قلت : غدا الرحيل " . وقد استعمل سيبويه لفظ البناء في الشيء الذي ليس بعامل في ما يبنى عليه كما قال : " أن " مبنية على " لولا " ، وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجة ما بعدها إليها . وذكر سيبويه قولهم : " لا محالة أنك ذاهب " ، والظاهر من كلامه أن - " أن " في موضع خفض " بمن " المحذوفة وهو على القلب من خفض أن بعد حذف الخافض منها في الباب الذي ذكر فيه ذلك . وقال المبرد : إذا قلت : " لا محالة أنك ذاهب " ، فإنه في موضع رفع بخبر الابتداء كما تقول : " لا رجل أفضل من زيد " وكذلك : " لا بد أنك ذاهب " . فإن قال قائل : " لا " الناصبة هي جواب " هل من ؟ " ، فما المسألة التي جوابها " لا محالة " ، ولا بد ؟ وما معنى ذلك ؟ ومن أي شيء أخذ ؟ قيل له : أما " لا محالة " فالمحالة والحيلة معناهما واحد ، وأصل المسألة : هل من محالة من كذا ؟ وهل من حيلة ؟ ومعناه : هل من محالة في تركه أو في التخلص منه . فيقول المجيب : " لا محالة منه " أي في الخلاص . وأما " بد " ، فأصلها : من مفارقة الشيء ، ومنه قيل : تبدد الشيء أي تفرق ، وقولهم : رجل أبد وامرأة بداء إذا تفرق ما بين فخذيه . فإذا قال : " لا بد منه " ، فكأنه قال : لا مفارقة ولا تباعد منه . وقال المبرد : معنى " بد " : موسع ، فإذا قلت : " لا بد أنك ذاهب " فكأنك قلت : " غير موسع عليك أنك ذاهب " ، وحقيقته : غير موسع عليك تركك الذهاب " . وأصل هذا من المعنى الأول ؛ لأن تفرق ما بين الشيئين : سعة ما بينهما . ومعنى قول سيبويه : " أما جهد رأيي فأنك ذاهب لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول . يعني أنك مضطر قبل دخول " أما " أن تفتح " أن " إذا قلت : " جهد رأيي أنك ذاهب " فتجعل " أن " مبتدأ وما قبلها ظرفا لها كقولك : " خلفك زيد " ، لأنك إن كسرتها انقطع الظرف