يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
380
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
قوله : " ويجوز أن تجعل أفعل في موضع فعلت وإنما جاز ذلك لأنك تقول : " كنت أتيتك " ، و " كنت آتيك " ، ومعناهما واحد . فإنما يجوز ذلك إذا تقدم قبله شيء قد مضى أو شيء فيه دلالة على المضي ، والفعل المستقبل مصاحب له كما تقول جاءني زيد أمس يضحك . ولا يجوز الماضي في موضع المستقبل مصاحب له ، كما تقول : جاءني زيد إلا في المجازاة ، ولو قلت : " يكون زيد قام " ، لم يجز كما جاز : " زيد يقوم " ، وإنما لم يجز : " ما أعدو أن أجالسك أمس " لأن قولك : " أعدو " مستقبل ، وإذا كان ابتداء الكلام مستقبلا لم يجز أن يكون المستقبل بعده في معنى الماضي . وأنشد في ما جاء منقطعا لعبد الرحمن ابن أم الحكم : * على الحكم المأتي يوما إذا قضى * قضيته أن لا يجور ويقصد " 1 " فرفع : و " يقصد " ، لأنه جعله بمنزلة : وينبغي له أن يقصد - فناب " يقصد " عن " ينبغي له أن يقصد " ، ومن أجل ذلك تضمن معنى الأمر ولم يحمل على " أن " . ومثله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [ البقرة : 233 ] أي : ينبغي لهن أن يرضعن . ويكون في ذلك معنى الأمر ، وإن لم يكن لفظ الأمر كما يقول المولى لعبده : الواجب عليك أن تفعل ، أو " الذي أريده منك أن تخرج إلى السوق " ، ففي هذا : معنى الأمر له وإن لم يظهر لفظ الأمر . هذا باب الجزاء فرق سيبويه بين " حيثما " وبين " إذا ما " فجعل " حيثما " في جملة الظروف التي يجازى بها ، وجعل " إذ ما " في حيز الحروف . والفرق بينهما أن " إذ " لما ضمت إليها " ما " وجوزي بها خرجت عن معناها لأنها كانت من قبل دخول " ما " عليها - لما مضى من الزمان وبعد دخولها للمستقبل - كإن . وقد يركب الشيئان فيخرجان عن حكم كل واحد منهما إلى حكم مفرد نحو " هلا " و " لولا " وغيرهما . فجعلها سيبويه حرفا ، لوقوعها موقع " إن " ولم يقم دليل على اسميتها . وقد قال بعض النحويين : إذ ما هي إن ما وعدلوا عن " إما " إليها ، لأن " إما " لا تكاد تأتي إلا بدخول النون على الفعل الذي بعدها كقوله عز وجل : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [ الأنفال : 57 - 58 ] ولا تكاد تقع في القرآن إلا بالنون .
--> ( 1 ) الكتاب وشرح الأعلم 1 / 431 ، شرح النحاس 283 ، شرح السيرافي 4 / 300 ، شرح ابن السيرافي 2 / 182 .