يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
34
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
فالجواب أن الكلام على ضربين : كلام ملحون ، وكلام غير ملحون . والملحون هو الذي لحن فيه عن القصد ، أي : عدل عن وجهه إلى غيره . وما لم يكن ملحونا : فهو على القصد وعلى النحو ، ومن ذلك سمي النحوي نحويّا . فالمستقيم من طريق النحو ، هو ما كان على القصد سالما من اللحن ، فإذا قلت : قد زيدا رأيت ، فهو سالم من اللحن ، فكان مستقيما من هذه الجهة وهو مع ذلك موضوع في غير موضعه ، فهو قبيح من هذه الجهة . قال الأخفش : ومنه الخطأ ، وهو ما لا يتعمده نحو قولك : ضربت زيدا . هذا من جهة اللفظ مستقيم ، فيقال فيه على قياس ما مضى من الباب : مستقيم كذب ومستقيم قبيح ، إلا أن سيبويه لم يذكر هذا القسم لأن لفظه لا يدل على أنه خطأ ، وإنما ظاهره أنه صواب ، وإنما حكى سيبويه أقساما ظاهرها دال على ما قصد بها فاعلم . باب ما يحتمل الشعر اعلم أن سيبويه ذكر في الباب جملة من ضرورة الشعر ليرى الفرق بين الكلام والشعر ، ولم يتقصه ؛ لأنه لم يكن غرضه القصد إلى ذلك نفسه ، وإنما أراد أن يصل الباب بالأبواب التي تقدمت فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام المنظوم والمنثور ، ونبين ضرورة الشعر مقسمة بأقسامها حتى يكون الشاذ منها مستدلّا عليه بما نذكره إن شاء اللّه . اعلم أن ضرورة الشعر تسعة أوجه وهي : الزيادة ، والنقصان ، والحذف ، والتقديم ، والتأخير ، والإبدال ، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجه آخر على طريق التشبيه ، وتأنيث المذكر ، وتذكير المؤنث . فمن الزيادة : ما يزداد في القوافي للإطلاق ، وهي الواو بعد الضمة ، والياء بعد الكسرة ، والألف بعد الفتحة . ويجوز أن يجعل مكان الواو والياء والألف والنون . والنون لا يوقف عليها إلا في قوافي الشعر . وأما حروف المد فقد يوقف عليهن في الكلام عوضا من التنوين ، كقولك : هذا زيدو ، ومررت بزيدي ، ورأيت زيدا . وإنما زيدت هذه الزيادة في الشعر في القوافي ؛ لأنهم يترنمون به ويحدون ، ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بمد الحرف . وقد شبهوا مقاطع الكلام المشجع بالشعر في زيادة هذه الحروف حتى جاء ذلك في أواخر الآي من القرآن الكريم ، كقوله عز وجل : فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [ الأحزاب 67 ] . ومن ذلك صرف ما لا ينصرف ؛ لأن الأسماء أصلها الصرف ودخول التنوين فإذا اضطر شاعر ردها إلى أصلها . والدليل على ذلك أن ما لا أصل له في التنوين ، لا يجوز