يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
332
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
هذا باب غير قد تقدم أن أصل الاستثناء " إلا " وهو الحرف الموضوع له وحملت " غير " عليه لمخالفتها ما أضيفت إليه كما خالف ما بعد " إلا " ما قبلها ، الا أن " غير " من أجل أنها اسم أعربت بإعراب الاسم الذي بعد إلا ومن أجل أن " إلا " حرف لا يقع عليه عامل ، تخطي عمل ما قبلها إلى الاسم الذي بعدها فعمل فيه . وبينّ سيبويه أن " غير " لا تكون بمنزلة " إلا " في الاستثناء في كل موضع . فمن ذلك : ( ما أتاني أحد إلا زيد خير منه ) ، ولا يجوز : ( ما أتاني أحد غير زيد خير منه ) وذلك لوجهين : - أحدهما : أن " غير " إنما تكون بمعنى " إلا " ، إذا كان بعد " إلا " اسم تصح الإضافة إليه " بغير " لأن " غير " ليست تخالف سوى الاسم الذي أضيفت إليه . - والوجه الثاني : أن " إلا " يقع بعدها فعل وفاعل كقولك : ما أتاني أحد إلا يضحك ، ولا يجوز : غير يضحك ، ولا يجوز : غير يضحك ، فلا تصح إضافة " غير " إلى المبتدأ والخبر كما لا تصح إضافته إلى الفعل . وبين سيبويه أن " غير " تجزئ من الاستثناء وإن لم تكن للاستثناء ليقوى الاستثناء بها في الموضع الذي جعلت فيه بمنزلة " إلا " وذلك قولك : أتاني غير عمرو ، " فغير " فاعل أتاني ، ولا يكون بمعنى " إلا " ، لأنك تقول : أتاني إلا عمرو ، وقد أغني عن الاستثناء ، لأن الذي يفهم به ، أن عمرا ما أتاك فخرج عمرو عن الإتيان كخروجه بالاستثناء إذا قلت : أتاني كل آت إلا عمرا . وقد يستقيم في حقيقة اللفظ أن يكون عمرو أتاه ، وذلك أن قوله : " أتاني غير عمرو ظاهر اللفظ أن غير عمرو أتاه ، وليس في إتيان غير عمرو نفي لإتيان عمرو . ولو قال قائل : ما أتاني غير زيد ، ولم يرد به الاستثناء ، كان حقيقة الكلام أن غير زيد ما أتاه ، وزيد مسكوت عنه ، يجوز أن يكون قد أتى ، وأن يكون لم يأت غير أن العادة جرت بأن يراد بمثل هذا الكلام ، أن زيدا داخل في الفعل الذي خرج عنه غيره ، وخارج عن الفعل الذي دخل فيه غيره . واعلم أن سيبويه يقدر " غير " إذا لم يكن فيها معنى الاستثناء " بمثل " لأنها نقيضتها ولا تستعمل إلا مضافة كما تستعمل " مثل " وهي صفة . هذا باب ما أجري على موضع غير لا على ما بعد غير رد سيبويه اعتبار " غير " إلى " إلا " ، لأنها أصل الاستثناء وأدخل " إلا " على ما بعد غير الاسمين ، حتى أدى صحة معنى الاستثناء فيهما فقال في قوله : " ما أتاني غير زيد وعمرو " :