يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
322
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
قال الزجاج : كأنه قال : لم يغذها إلا اللحم ، وذكر الرسل توكيدا ، والرسل : اللبن . والأيسار : أصحاب الميسر . يصف امرأة . وإنما أبعد عنها أن تتغذى بلحم الميسر ؛ لأنه لا يأكل منه إلا الضعيف الصغير فيهم . وأنشد : * عشية لا تغني الرماح مكانها * ولا النبل إلا المشرفي المصمم " 1 " " المشرفي " بدل من " النبل " و " الرماح " وهو السيف . والمصمم : النافذ الماضي . وجعل سيبويه هذه الأبيات تقوية لقوله : " ما أتاني زيد إلا عمرو " ، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه ، فجاز في هذا البدل كما أجازه في الأبيات . هذا باب ما لا يكون إلا على معنى ولكن هذا الباب مخالف الذي قبله في لغة بني تميم ، لأنه لا يمكن فيه البدل ، ولا حذف الاسم الأول منه في التقدير ، كما أمكن في قولهم : ما فيها أحد إلا حمار على الوجهين اللذين تقدما . فمن ذلك قول اللّه عز وجل : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] يعني من رحمه اللّه تعالى ، ومن رحمه اللّه معصوم ولا يمكن البدل فيه ، لأنه لا يقال : إلا اليوم من أمر اللّه إلا من رحم . وقد قيل : لا عاصم بمعنى لا معصوم وهذا ضعيف لا يعتد به ، ولا يجيء مثل هذا إلا في الشعر كقوله : * لقد عيل الأيتام طعنة ناشرة * أناشر لا زالت يمينك آشره " 2 " أي : مأشورة . وأجود من هذا أن يكون " من رحم " ، هو اللّه ، لأنه الراحم ، وكأنه قال : لا عاصم اليوم لهم إلا اللّه . وأما قوله تعالى : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا [ هود : 116 ] فلا يجوز فيه البدل ، لأن لولا للاستبطاء والتحضيض ، وفي معنى : لو فعلت ذلك لكان أصلح ، وهذه أشياء تجري مجرى الأمر ، وفعلا الشرط ، ولا يجوز في شيء من ذلك البدل لو قلت : ليقم القوم إلا زيد لم يجز ، كما لا يجوز
--> ( 1 ) الكتاب وشرح الأعلم 1 / 366 ، شرح النحاس 244 ، شرح السيرافي 4 / 99 ، 103 ، شرح الرماني 388 ، 383 ، شرح ابن السيرافي 2 / 128 ، فرحة الأديب ( 113 - 115 ) ، حاشية الصبان 2 / 147 ، الخزانة 3 / 318 ، المقاصد النحوية 3 / 109 . ( 2 ) ورد البيت في الخصائص 1 / 152 ، اللسان ( أشر ) 4 / 21 ، ذكر هذا ابن السيرافي في شرح شواهد إصلاح المنطق 1 / 33 .