يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
261
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
تقديره : يا ليت لنا أيام الصبا في حال رجوع ، أو يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجعا . وذكر سيبويه أن العرب كثر استعمالهم للقرب ظرفا ، وقل استعمالهم للبعيد على معنى الظرف ، ثم قال : " فالدنو أشد تمكنا في الظروف من البعد " . وإنما صار " الدنو " أمكن في الظروف ، لأن الظروف موضوعة على القرب ، أو على أن يكون ابتداؤها من قرب ، فأما الموضوع على القرب " فعند " و " لدن " وما كان في معناهما . وأما ما يكون ابتداؤه من قرب ، فالجهات المحيطة بالأشياء : كخلف وقدام ويمنة ويسرة ، وفوق وتحت ، لأنك إذا قلت : ( زيد خلف عمرو ) فهذا مطلوب خلفه من أقرب ما يليه إلى ما لا نهاية له ، والبعد لا نهاية له ولا حد لأوله ، معلوم كعلم حدود الجهات الست . ويقوى هذا ويكشفه أنك إذا قلت : قربك زيد ، طلبه المخاطب في ما قرب منه ، وذلك ممكن مفهوم كما تقول : عندك زيد ، وإذا قلت : خلفك زيد ابتدأ بما يليه من خلفه في موضع استقرار طلبا له ، وإذا قلت : بعدك زيد لم يكن ذلك فيه . هذا باب ما يكون محمولا على إن فيشارك فيها الاسم الذي وليها ويكون محمولا على الابتداء وذلك قولك : إن زيدا منطلق وعمرا وعمرو وأنشد لرؤبة في حمله على المنصوب : * إن الربيع الجود والخريفا * يدا أبي العباس والصيوفا " 1 " فعطف الصيوف على الربيع . والجود : المطر الغزير . وأنشد أيضا لجرير : * إن الخلافة والنبوة فيهم * والمكرمات وسادة أطهار " 2 " فحمل : المكرمات وما بعدها على موضع إن أو على الابتداء وإضمار الخبر . واعترض المبرد على سيبويه في قوله في هذا الباب . " ولكن المثقلة في جميع الكلام بمنزلة إن " فقال : تدخل اللام في خبر إن ولا تدخلها في خبر لكن والذي أراده سيبويه أن " لكن " بمنزلة " إن " في العطف الذي ساق الكلام عليه ، وسياق الكلام يدل على إرادته وإنما تدخل اللام على " لكن " لأنها استدراك شيء مما قبلها ، ولا تقع في أول الكلام ، و " إن " تدخل في أول الكلام واللام تقدر قبلها ، فخلفت " لكن " " إن " في دخول اللام لهذا المعنى .
--> ( 1 ) ملحقات ديوان رؤبة 179 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 285 لرؤبة ، المقتضب 4 / 111 ، شرح السيرافي 3 / 502 ، الهمع 2 / 144 ، المقاصد النحوية 2 / 261 . ( 2 ) الكتاب وشرح الأعلم 1 / 286 ، شرح السيرافي 3 / 504 ، الهمع 2 / 144 ، المقاصد النحوية 2 / 261 .