يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

22

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

فإن قلت : لم وقعت " رب " صدرا وهي من حروف الجر وحروف الجر لا يقعن صدرا ؟ . فالجواب : أن " رب " ضارعت حرف النفي ، وهو " لا " التي تنفي الجنس ومضارعتها لها إنما تقلل ، والتقليل شبيه النفي فجعلت صدرا كما جعلت " لا " . وأما " قط " : فهي مبنية على السكون ؛ لأنها اسم وقع موقع فعل الأمر في أول أحواله ، وذلك قولك : " قطك درهمان " تريد : ليكفك درهمان . أو اكتف بدرهمين ونحو ذلك من التقدير في معناها . قد تقول : قدك درهمان ، وهما بمعنى " حسب " . فإن قلت : فهلا بنيت " حسبك " إذ كانت في معناهما ؟ فالجواب في ذلك أن " حسب " اسم صحيح أريد به معنى الفعل بعد أن وقع متصرفا ، ولم يقع في أول أحواله موقع الفعل كما فعل " بقط " . والدليل على ذلك : أنك تقول : أحسبني الشيء إحسابا ، أي : كفاني . وهذا عطاؤكم حساب ، أي كاف . فمعنى " حسبك " : أي كافيك في أصل موضوعه من جهة اللغة لما بيناه من تصرفه ، فلذلك لم يبن فاعرفه . وأما " إذ " فإنها مبنية على السكون لوقوعها على الأزمنة الماضية كلها . واحتياجها إلى إيضاح يصحح معناها ، ويفهم به موضعها كاحتياج " الذي " إلى الصلة ، فهي بعض الاسم لاحتياجها إلى ما يوضحها ، وبعض الاسم مبني . وقوله في الأفعال الماضية : " فلم يسكنوها كما لم يسكنوا من الأسماء " إلى قوله : " بمنزلة غير المتمكن " . أي : لم يسكنوا الأفعال الماضية كما لم يسكنوا من الأسماء التي حكمها البناء ، ما كان مضارعا للمتمكن نحو : من عل ، ولا ما كان متمكنا في حال ، ثم بني لعلة دخلته نحو قولهم : أول ، ويا حكم . اعلم أن " عل " معناه : فوق ، وفيه لغات : يقال : جئتك من عل ، ومن عل ، ومن ( علو ) ، ومن علو ومن معال ، ومن عل ، وهي كلها بمعنى : فوق . وفوق لا بد من أن يكون مضافا إلى شيء ظاهر أو مضمر أو مقدر ، فكذلك هذه الألفاظ التي في معناها . فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة . - فإن كان المحذوف نكرة : نكر " عل " ، وما كان في معناه ونوّن . - وإن كان معرفة : بني لأنه بمنزلة اسم قد اكتفى ببعضه إذ حذف المضاف إليه وأدى عن معناه ، كما كان ذلك في " قبل " و " بعد " .