يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
198
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
ومعنى قوله : " أضمرت صاحب الصفة " . أي : أضمرت زيدا الذي هو صديق مصاف ، وهو يسمّي الحال صفة . وقال المبرد : العامل في " صديقا مصافيا " هو ما يقدر قبل الفاء مما يدل عليه أما ، كأنه قال : مهما تذكر زيدا صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف ، ولا يعمل فيه " بصديق " لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها . وخالفه غيره من النحويين ، قالوا : يجوز عمل ما بعد الفاء فيما قبلها ؛ لأنها ههنا زائدة ، دخولها كخروجها . وظاهر كلام سيبويه أن رفع الصفة المذكورة لا يجوز البتة ، وهو جائز على ضعف ، وقد حكى مثله في الباب الذي بعده وهو قوله : " أمّا ابن مزنية فأنا ابن مزنية " . فهذا وصف نكرة كما ترى ، وجعل بمنزلة المعرفة في الابتداء ، فلا يبعد فيما كان من الصفات نكرة أن يجري مجراه ، وإن كان هذا أقوى من غيره لاختصاصه بنوع معروف . واعلم أن الدليل القاطع على أن المصدر النكرة في هذا الباب يكون حالا وعلة : أن العرب تضع موضع ما لا يكون إلا حالا البتة أو علة البتة . كقولك : أما عالما فعالم ، فقولك " عالما " لا يكون مفعولا له ؛ لأن اسم الفاعل لا يقع علة لغيره ، كما يقع المصدر ، فلما وقع قولك : أما علما فعالم موقع ، أما عالما فعالم ، علمنا أن المصدر حال لوقوعه موقع ما لا يكون إلا حالا . وأما الدليل على أن المصدر في هذا الباب يكون علة لا حالا . فوقوع " أن " مع الفعل موقعه في قولك : أما أن يعلم فعالم . فإنّ " يعلم " علة - لوقوع الفعل - لا حال ، ألا ترى أنك لو قلت : جئتك أن أركب ، على معنى جئتك راكبا لم يجز ، كما تقول : جئتك مشيا وعدوا ، أي : ماشيا وعاديا . فإن قلت : جئتك أن تعطيني وتحملني جاز على معنى : جئتك لهذا ، ومن أجل هذا . فلما وقع " أن يعلم " موقع " علم " في قولك : " أما أن يعلم فعالم " ، علمنا أن " علما " الواقع موقعه : علة مثله ، ولذلك جاز نصبه مع الألف واللام ؛ لأن العلة تكون معرفة ونكرة ، فقف على هذا فإنه ملاك الباب .