يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

191

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

فنصب العراك وهو مصدر عارك يعارك : إذا زاحم . وجعل العراك في موضع الحال وهو معرفة ، وجاز هذا لأنه مصدر ، ولو كان اسم فاعل لم يجز . يصف أنه وجه الإبل ولم يرتبها فأرسلها مزدحمة على الماء ، ولم يشفق على بعض الدخال . والدخال : أن يقع الضعيف بين قويين فيتنغص عليه شربه ، أي : أرسلها مزدحمة ولم يشفق على الماشية منها . ومثل هذا قول أوس بن حجر : * فأوردها التقريب والشد منهلا * قطاة معيد كرة الورد عاطب " 1 " أي : فأوردها تقريبا وشدا في معنى : مقربا وشادا . هذا باب ما جعل من الأسماء مصدرا كالمضاف في الباب الذي يليه وذلك قولك : مررت به وحده ومررت بهم ثلاثتهم . ومثل ذلك قول الشماخ : * أتتني تميم قضها بقضيضها * تمسح حولي بالبقيع سبالها " 2 " هذا البيت منسوب في النسخ إلى الشماخ : هو لأخيه مزرد . والنحويون يروونه في الاستشهاد منصوب اللام من سبالها ، وهي مرفوعة لأن سائر الأبيات كذلك ، ويتصل بهذا : * يقولون لي احلف ، قلت لست بحالف * أخادعهم عنها لعلي أنالها " 3 " ومن روى الأول بالنصب ينشد " لكيما أنالها " ، والمعنى أتتني تميم منقضين عليّ : أي مجتمعين ، وهو مأخوذ من القض ، وهو الكسر ، وقد يستعمل الكسر في موضع الوقوع على الشيء بسرعة ، كما يقال : عقاب كاسر ، أي : منقضة . والمعنى : أنه كان عليه دين ، فوصف أنهم جاءوا عليه وهم يهيئون لحاهم . والبقيع : موضع . هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدرا كالمصدر الذي فيه الألف واللام نحو : العراك وهو قولك : مررت بهم الجماء الغفير . اعلم أن الجماء هي اسم والغفير نعت لها . وهو بمنزلة قولك : الجم الغفير . أي : الكثير ؛ لأنه إنما يراد به الكثرة . والغفيرة يراد به أنهم قد غطوا الأرض من كثرتهم ، من قولهم : غفرت

--> ( 1 ) ديوان أوس 69 ، شرح السيرافي 3 / 166 ، المخصص 14 / 227 . ( 2 ) ديوان الشماخ 20 ، شرح الأعلم 1 / 188 ، طبقات ابن سلام 112 . ( 3 ) شرح السيرافي 3 / 170 ، المخصص 3 / 124 .