سيبويه
546
كتاب سيبويه ( في الهامش تحصيل عين الذهب )
لكم كما أنك إذا قلت رأيت متاعك بعضه فوق بعض فقد أبدلت الآخر من الأول وكأنك قلت رأيت بعض متاعك فوق بعض فإنما نصبت بعضا لأنك أردت معنى رأيت بعض متاعك فوق بعض ، كما جاء الأول على معنى وإذ يعدكم اللّه أنّ إحدى الطائفتين لكم ، ومن ذلك قوله عزّ وجلّ ( أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) فالمعنى واللّه أعلم ألم يروا أنّ القرون الذي أهلكناهم إليهم لا يرجعون ، ومما جاء مبدلا من هذا الباب ( أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ) فكأنه على أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وذلك أريد بها ولكنها انما قدّمت أنّ الأولى ليعلم بعد أي شيء الاخراج ، ومثل ذلك قولهم زعم أنه إذا أتاك أنه سيفعل وقد علمت أنّه إذا فعل أنه سيمضى ولا يجوز أن تبتدىء إنّ هاهنا كما تبتدىء الأسماء بعد الفعل إذا قلت قد علمت زيدا أبوه خير منك وقد رأيت زيدا يقول أبوه ذاك لأنّ إنّ لا تبتدأ في كل موضع وهذا من تلك المواضع وزعم الخليل أنّ مثل ذلك قوله تبارك وتعالى ( أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ) ولو قال فإنّ ، كانت عربية جيّدة وسمعناهم يقولون في قول ابن مقبل : [ طويل ] « 704 » - وعلمي بأسدام المياه فلم تزل * قلائص تخدي في طريق طلائح وأنّى إذا ملّت ركابي مناخها * فإني على حظّي من الأمر جامح وإن جاء في الشعر قد علمت أنّك إذا فعلت إنك فاعل إذا أردت معنى الفاء جاز والوجه والحدّ ما قلت لك أوّل مرة ، وبلغنا أنّ الأعرج قرأ ( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ
--> ( 704 ) - الشاهد فيه كسران الثانية على الاستئناف ولو فتحت حملا على أن الأولى تأكيدا وتكريرا لجاز ، والأسدام المياه المتغيرة لقلة الوارد واحدها سدم يريد مياه الفلوات وعلمه بها لحسن دلالته ومعنى تخدي تسرع ، والطلائح المعيية لطول السفر ومعنى ملت ركابي مناخها يريد توالي سفرها واناختها فيه وارتحالها ، والجامح الماضي على وجهه أي لا يكسرني طول السفر ولكني أمضي قدما لما أرجوه من الحظ في أمري .