سيبويه
25
كتاب سيبويه ( في الهامش تحصيل عين الذهب )
كل شيء من أسماء الحدث ويتعدى هذا الفعل إلى كل ما اشتقّ من لفظه اسما للمكان وإلى المكان لأنه إذا قال ذهب أو قعد فقد علم أن للحدث مكانا ، وان لم يذكره كما علم أنه قد كان ذهاب وذلك قولك ذهبت المذهب البعيد ، وجلست مجلسا حسنا ، وقعدت مقعدا كريما ، وقعدت المكان الذي رأيت ، وذهبت وجها من الوجوه ، وقد قال بعضهم ذهبت الشام شبهه بالمبهم إذ كان مكانا يقع عليه المكان والمذهب وهذا شاذّ لأنه ليس في ذهب دليل على الشام وفيه دليل على المذهب والمكان ، ومثل ذهبت الشام دخلت البيت ، ومثل ذلك قول ساعدة بن جؤيّة الهذلي : « 20 » - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطّريق الثّعلب ويتعدّى إلى ما كان وقتا في الأماكن كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة لأنه وقت يقع في الأماكن ولا يختصّ به مكان واحد كما أن ذاك وقت في الأزمان لا يختصّ به زمن بعينه ، فلما صار بمنزلة الوقت في الزمن ، كان مثله لأنك قد تفعل بالأماكن ما تفعل بالأزمنة وان كان أقوى في ذلك وكذلك كان ينبغي أن يكون إذ صار فيما هو أبعد نحو ذهب الشام وهو قولك : ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول ذهبت شهرين وسرت يومين ، وإنما جعل في الزمان أقوى لأن الفعل بنى لما مضى منه وما لم يمض ففيه بيان الفعل متى وقع كما أن فيه بيان أنه قد وقع المصدر وهو الحدث والأماكن لم يبن لها فعل وليست الأماكن بمصادر اخذ منها الأمثلة فالأماكن إلى الأناسىّ ونحوهم أقرب ، ألا ترى أنهم يختصونها بأسماء كزيد وعمرو في قولهم مكة وعمان ونحوهما ، ويكون فيها خلق لا تكون لكل مكان ولا فيه كالجبل والوادي والبحر ، والدهر ليس كذلك والأماكن لها جثّة وانما الدهر مضيّ الليل والنهار فهو إلى الفعل أقرب .
--> ( 20 ) - استشهد به على وصول الفعل إلى الطريق وهو اسم خاص للموضع المستطرق بغير واسطة حرف تشبيها بالمكان لأن الطريق مكان وهو نحو قول العرب : ذهبت الشام الا أن الطريق أقرب إلى الإبهام من الشام لان الطريق تكون في كل موضع يسار فيه وليس الشام كذلك * وصف في البيت رمحا لين الهزفشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره ، والعسلان سير سريع في اضطراب ، واللدن الناعم اللين ، ويروى لذ أي مستلذ عنه الهز للينه والهاء من فيه يعود على اللدن أو على الهز على حسب التفسير .