الخليل الفراهيدي

32

المنظومة النحوية

والشراب فقد كان مشغولا بأمور أهم من هذا العبث الصبياني . والمرحلة الثانية التي يتسم فيها الإنسان بالوقار والنضج والحلم هي مرحلة ما بعد الأربعين ، وهي تلك المرحلة التي يقول عنها الخليل في منظومته النحوية ( البيت 184 ) . قطني وقدني من مجالسة الأولى * قد أتعبوا بدني الضعيف « 1 » وأنصبوا والخليل نفسه كان يقول « 2 » : « أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث اللّه تعالى فيها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يتغير وينقص إذ بلغ ثلاثا وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر » . هذه هي صورة الخليل العاقل الحليم الوقور الحكيم الذي كان يقول الحكمة في شعره ونثره ، بل حتى في تصرفاته كان حكما مع أصدقائه وأساتذته عند محاورته أو حتى سكوته ، وقد جاءت بعض النماذج في قصيدته النحوية دالة على ذلك . عنذما يقول في البيت 259 : لا خير في رجل يعرض نفسه * للذم لا . لا خير فيمن يغضب أو حينما يقول في البيت 288 : . . . . . . . . . . . . * كل امرئ إن عاش يوما ينكب وفي البيت 238 : وعلام تظلمنا وتبخس حقنا * والحق أحسن ما أتيت وأوجب

--> ( 1 ) لا تعني « بدني الضعيف » شحوب الوجه وتشقق القدمين وتمزق الثياب . ( 2 ) وفيات الأعيان لابن خلكان 2 / 245 .