الخليل الفراهيدي
27
المنظومة النحوية
ويشحب لونه وتغبر رأسه ومن حوله تلاميذه ومحبوه الذين أشادوا بعلمه وعبقريته ونطقوا بشهادات تمجد خلقه وورعه وتقواه . وأعتقد أن كل ما في الأمر هو أن رجلا بهذا الورع والتقوى يمكن أن تنسج حوله الحكايات تدليلا على ذلك . والحقيقة أننا عندما نقرأ عن الخليل وأخباره وذكائه وعبقريته ، ونتأمل أشعاره الواردة في الكتب المختلفة ، ونماذجه التي مثّل بها في قصيدته النحوية فإننا نجد شخصا مقدما على الحياة متمتعا بلقاء الناس في حوارات علمية أو اجتماعية ؛ صاحب غزل رقيق وخيال خصب وذلك يتجلى في قوله : ابصرتها فغضضت عنها ناظري * خوف القصاص وظل قلبي يرغب ولعلنا فيما يلي نجد ما يفصح عن تلك الظاهرة الاجتماعية ، فهو ليس منعزلا عن المجتمع ، حابسا نفسه ، إذ تعلّم الفصاحة كان يقتضي منه في بداية حياته السفر والترحال والمشافهة والمقابلة والأخذ عن الأعراب في البادية ، وبعد ذلك عندما صار معلما كان يلتقي بطلابه ومحبيّه من الناس ، وربما أدى اتزانه وعدم حب العبث واللهو والانخراط كثيرا في المسائل العلمية إلى القول والتأكيد على زهده الشديد ، يقول أحد المؤرخين : « وعكف على العلم يستخرج ويستنبط ويخترع فكان مضرب المثل في عزوفه عن الدنيا وعكوفه على العلم » . « 1 » ولعل تأكيد المؤرخين على زهده ورفضه للمال واكتفائه بالقليل كان من قبيل إيضاح أن الخليل ما كان يقف على أبواب الولاة طالبا ، أو يسعى لشهرة أو مال ولعل ما ورد في معجم الأدباء دليل على ذلك . يقول ياقوت الحموي « 2 » عن الخليل : « ووجه إليه سليمان بن علي والي الأهواز لتأديب ولده ، فأخرج الخليل لرسول سليمان خبزا يابسا وقال : ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان ، فقال الرسول : فما أبلغه عنك ؟ فقال : أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنى غير أنى لست ذا مال سخّى « 3 » بنفسي أني لا أرى أحدا * يموت هزلا ولا يبقى على حال
--> ( 1 ) أعلام العرب 69 . ( 2 ) معجم الأدباء 11 / 75 . ( 3 ) ويروى شحا ، وسخيت نفسي عن الشيء : تركته ولم تنازعني إليه .