الخليل الفراهيدي

138

المنظومة النحوية

البيت الأول ، تعلم عن التاء الزائدة فقط ؛ لهذا نلاحظ أنه قال بعد التمثيل للتاءين متحدثا عن التاء الأصلية : فنصبت لما أن أتت أصلية * وكذاك ينصبها أخونا قطرب وهناك ملاحظة تظهر في التمثيل عند الخليل في معظم نماذجه ، هذه الملاحظة هي أنه يستمر مع مثاله إلى أن يعطي معنى من المعاني ربما كان حكمة أو موقفا إيجابيا لشئ من الأشياء ، مع أنه لو اكتفى بموضع التمثيل فقط لكان المعنى ، لا نقص فيه ، ألّا أنه يفضل دائما الاستمرار مع المعنى إلى أن يكون شيئا ذا بال . والأمثلة السابقة خير دليل على ذلك عندما يمثل بقوله : [ وسمعت عمات الفتى ] كان من الممكن الاكتفاء بذلك لكنه جاء بالجملة الحالية ( يندبنه ) وكان من الممكن أيضا التوقف عند هذا الحد ، لكنه أكمل البيت بتلك الحكمة الواردة في الشطر الثاني والتي تدل على براعة شديدة في استدعاء المعنى المتوافق مع المعنى السابق فقال : كل امرئ لا بد يوما يندب وهذا ما حدث في البيت التالي عندما مثّل بقوله : « ودخلت أبيات الكرام » كان من الممكن الاكتفاء بهذا القدر ، من التمثيل حيث أعطى المثال معنى مفيدا ؛ لكنه أكمل المثال بقوله : « فأكرموا زورى » بالعطف على ما قبله . وكان من الممكن أيضا أن يكتفى بهذا القدر إلا أنه آثر أن يوضح بشاشة هؤلاء القوم بالإضافة إلى كرمهم فقال : « وبشّوا في الحديث وقربّوا » . فالخليل لم يترك المعنى إلا بعد اكتماله تماما وبعد إعطاء صورة دقيقة لما يتحدث فيه . وهذه الطريقة جعلت أمثلته تأخذ حيزا أكبر من الأحكام النحوية من حيث الشكل العام للمنظومة ؛ وربما كان حرص الخليل على ذلك من منطق التركيز لا على القاعدة فحسب ، ولكن على المعنى أيضا . وما قدمناه في المثالين السابقين قليل من كثير ، فهذا هو النهج العام الذي اتبعه الخليل في هذه المنظومة التعليمية .