علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )
96
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني
قولك : جاءني الزيدان علم بالأول منهما مجيئا فكذا في قولنا : جاءني زيد وعمرو وإذا كان معنى التثنية ، لم يتصور ذلك في الأفعال ، ولا في الحروف . ألا ترى أنك إذا قلت : ضرب زيد ، تناول قولك ( ضرب ) جنس الضرب ، قليله ، وكثيره ، فلم يتصور فيه ، ما صورناكه في الاسم . [ فإن قلت ] : فقد قالوا : ضربا ؟ [ قلت ] : ذلك تثنية الفاعل ، لا تثنية الفعل . ألا ترى أن معناه : ضرب اثنان . وليس معناه : ضرب ضربين . وأما الحروف ، فهي آلة تربط أجزاء الجمل ، بعضها ببعض ، فلا يتصور فيه معنى التثنية ، إذ ليس الغرض فيه ذلك وإذا ثبت هذا ، وتقرر فإن التثنية ، والجمع ، على حد التثنية ، جاءا في حالة الإعراب ، مخالفين لما للآحاد عليه من الإعراب . ألا ترى أن إعراب الآحاد ، إنما هو بالحركات التي هي الضمة ، والفتحة ، والكسرة . فلما جاؤوا إلى التثنية ، والجمع ، على حدها ، وعجزوا عن استعمال الحركات ، لاستيفاء الآحاد إياها ، لجؤوا إلى أصول هذه الحركات التي هي : الضمة ، والفتحة ، والكسرة . ألا ترى أن أصل الواو : الضمة ، وأصل الألف : الفتحة ، وأصل الياء : الكسرة ، على ما تقدم شرحنا إياه . فجاؤوا بهذه الحروف ، وهي ثلاثة . وللتثنية ثلاثة أحوال : رفع ، ونصب ، وجر . وللجمع مثل ذلك . وليس معهم إلا ثلاثة أحرف ، فتجب قسمتها على ستة ، فاقتضت الحكمة في هذه الفتحة [ 18 / ب ] أن تكون الألف في المرفوع في التثنية ، والواو للجمع ، والياء للتثنية ، مجرورة ، وللجمع أيضا . ففتح ما قبلها في التثنية ، وكسر ما قبلها في الجمع ، للفرق بين الحالتين . وبقي النصب فيهما ، ولم يكن هناك حرف ، فلم يكن بد من حمل النصب فيهما : إما على الجر ، أو على الرفع ، فقال سيبويه « 1 » : وكان حملها على الجر أولى ، لأن الجر يختص بالأسماء ، والرفع قد يجاوز الأسماء إلى الأفعال ، وينتقل إليها ، وهو كما قال ، لأن ما كان من خصائص الشيء كان أرسخ قدما فيه ، مما ينتقل منه إلى غيره . فهذه حكمة هذه القسمة . [ فإن قلت ] فلو خرجت القسمة على غير هذا ؟ فكانت الواو في التثنية مرفوعة ، مفتوحا ما قبلها . والياء فيها مجرورة ، مكسورا ما قبلها ، والألف فيها منصوبة ، ومفتوحا ما قبلها . وفي الجمع : الواو فيه مرفوعة مضموما ما قبلها ، والياء فيه مجرورة ، مفتوحا ما قبلها ، والألف فيه منصوبة ، مفتوحا ما قبلها ، ويكون النون فارقا بين المنصوبين ، يفتح في حالة ، ويكسر في أخرى . [ قلت ] : هذه القسمة فاسدة . والأول أحسن ، لأن النون ، لا تثبت في جميع الأحوال ، بل تسقط عند الإضافة ، فكان يؤدي إلى اللبس ، والاشتباه . وإذا ثبت هذا ، وجبت هذه القسمة على هذه القضية . فهذه الحروف ، حروف إعراب عندنا . وقال الفراء « 2 » : هي أنفس الإعراب . وقال
--> ( 1 ) الكتاب 1 : 19 ، وقد ذكر الشارح معنى كلام سيبويه ، ونصه : ( وافق النصب ( أي : نصب الفعل إذا لحقته التثنية ) الجزم في الحذف ، كما وافق النصب الجر في الأسماء ، لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء ، والأسماء ليس لها في الجزم نصيب ، كما أنه ليس للفعل في الجر نصيب ) . ( 2 ) بل : الكوفيون كلهم ، وأيدهم قطرب من البصريين . الإيضاح في علل النحو 130 ، والإنصاف ( مسألة 3 ) 1 : 33 .