علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )
112
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني
حرب تردّد بينهم بتشاجر * قد كفرت آباؤها أبناؤها « 1 » فحلماؤها سفهاؤها : مبتدأ ، وخبر . وفي ( استجلهت ) ضمير يعود إلى ( أميمة ) . وأما قوله : كفّرت آباؤها أبناؤها ( ف ) كذلك . أي : آباء الحرب أبناؤها ، أي : شيوخها بمنزلة شبانها ، لم تؤثر فيهم الحرب ، بل هم على حالتهم ، إذ كانوا شبانا . فليس قوله ( حلماؤها ) : بدلا من ( أميمة ) على تقدير : هيهات ما سفهت أميمة ، حلماؤها ، فاستجهلت سفهاؤها . وكذلك ليس قوله : آباؤها : مرتفعة بتشاجر ، لأن الحمل على الظاهر أولى من حمله على التشاجر ، لأن التشاجر مصدر ، ولا يفصل بينه وبين ما عمل فيه ، لأنه من صلته . [ وقال الشاعر ] : 60 - رحلت سميّة غدوة ، أجمالها * غضبى عليك ، فما تقول بدالها هذا النّهار بدا لها من همّها * ما بالها بالليل زال زوالها « 2 » فإن قوله ، النهار : ظرف . وكأنه قال : بدا لها من همها في النهار ، ما بالها بالليل ، يأتيني خيالها زال اللّه زوالها كما بدا لها في النهار . أي : لا أتانا بالليل خيالها ، كما بدا لها في النهار ، عن إتيانها إيانا . فقدم ، وأخر . وهذا أكثر من أن أحصيه لك . فالأصل : تقديم الفعل ، ثم البداية بالمرفوع ، ثم المنصوب . فالرفع أول ، وما ذكرت مجاز ، فثبت أنه وجب للمبتدأ الرفع لما ذكرناه . [ فإن قلت ] : ما أنكرتم أن يكون المبتدأ [ 26 / ب ] مرفوعا بغير ما ذكرتم ، ولكن بما ذكره : الكسائي ، والفراء ، وهو : أن المبتدأ يرتفع بالخبر ، والخبر يرتفع بالمبتدأ « 3 » ، فهما يترافعان . فإذا قلنا : زيد قام ، ارتفع زيد بما يعود إليه من ( قام ) ، وارتفع ( قام ) ، لأنه مبني على زيد . [ قلت ] : إن هذا قول ساقط ، وذلك ، لأنك ، إذا قلت : زيد قائم ، وزعمت أنهما يترافعان ، فلم كان يرتفع في قولك : زيد أبوه قائم . والعائد إليه من الجملة ، ليس بمرفوع . فعلى هذا ، الكلام يؤول إلى الفساد ، لأن الشيء إذا كان مربوطا بغيره ، وغيره مربوط به كان من الدور « 4 » ، فيكون ساقطا . [ فإن قلت ] : إنكم تقولون في قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى « 5 » ، إن قوله : ( أَيًّا ما ) منصوب ب ( ادْعُوا ) و ( تَدْعُوا ) مجزوم بقوله ( أَيًّا ما ) ، فربطتم أحد الشيئين بصاحبه ، فلم أنكرتم منا ذلك في هذه المسألة ؟ !
--> ( 1 ) البيتان من الكامل ، عزاهما ابن منظور ، للفرزدق . اللسان ( ك ف ر ) 5 : 148 ، وليسا في ديوانه . وبلا نسبة في : مجالس ثعلب 57 ، وكشف المشكل 2 : 99 ، والمقرب 1 : 130 . ( 2 ) البيتان من الكامل ، للأعشى ، في : ديوانه 27 ، والعقد 5 : 307 . ( 3 ) ثمار الصناعة 82 ، والإنصاف ( مسألة 5 ) 1 : 44 ، 49 . ( 4 ) الدور ، عند الحكماء ، والمتكلمين ، والصوفية : توقف كل من الشيئين على الآخر . وبينوه بقولهم : إذا توقف ( أ ) على ( ب ) و ( ب ) على ( أ ) ، كان ( أ ) مثلا موقوفا على نفسه ، وهذا يستلزم التسلسل ، وهو محال . ينظر : كشاف اصطلاحات الفنون 467 ، 468 . ( 5 ) 17 : سورة الإسراء 110 .