جلال الدين السيوطي

79

الاقتراح في علم اصول النحو

الحق كلفظة ( اللّه ) فإن بعضهم زعم أنها عبرية ، وقال قوم : سريانية ، والذين جعلوها عربية اختلفوا ، هل هي مشتقة أو لا ؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا ، ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذا اللفظ علم أنها متعارضة ، وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين ، وكذلك اختلفوا في لفظ الإيمان ، والكفر ، والصلاة ، والزكاة ، فإذا كان هذا الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إليها ماسة جدا ، فما ظنك بسائر الألفاظ ؟ وإذا كان كذلك ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر . وأجيب عنه بأنه وإن لم يمكن دعوى التواتر في معانيها على سبيل التفصيل ، فإنا نعلم معانيها في الجملة ، فنعلم أنهم يطلقون لفظة ( اللّه ) على الإله المعبود بحق ، وإن كنا لا نعلم مسمى هذا اللفظ أذاته ؟ أم كونه معبودا ؟ أم كونه قادرا على الاختراع ؟ أم كونه ملجأ للخلق ؟ أم كونه بحيث تتحير العقول في إدراكه ؟ إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ ، وكذا القول في سائر الألفاظ . الإشكال الثاني : أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة . فهب أنا علمنا حصول شرط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا ، فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة ؟ وإذا جهلنا شرط التواتر جهلنا التواتر ضرورة ، لأن الجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط . فإن قيل الطريق إليه أمران : أحدهما : أن الذين شاهدناهم ، أخبرونا : أن الذين أخبروهم بهذه اللغات