أبو البركات بن الأنباري
357
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
ومن ذلك قولهم « صلاة الأولى ، ومسجد الجامع ، وبقلة الحمقاء » والأولى في المعنى هي الصلاة ، والجامع هو المسجد ، والبقلة هي الحمقاء ، وقد أضافوها إليها ، فدل على ما قلناه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص ، والشيء لا يتعرف بنفسه ؛ لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنيا عن الإضافة ، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف ؛ إذ يستحيل أن يصير شيئا آخر [ 182 ] بإضافة اسمه إلى اسمه ؛ فوجب أن لا يجوز كما لو كان لفظهما متّفقا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما ما احتجوا به فلا حجة لهم فيه ؛ لأنه كله محمول على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه : أما قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [ الواقعة : 95 ] فالتقدير فيه : حق الأمر اليقين ، كما قال تعالى : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ البينة : 5 ] أي دين الملّة القيّمة ، وأما قوله تعالى : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ [ يوسف : 109 ] فالتقدير فيه : ولدار الساعة الآخرة ، وأما قوله تعالى : وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ ق : 9 ] أي حب الزرع الحصيد ، ووصف الزره بالحصيد ، وهو التحقيق « 1 » ؛ لأن الحب اسم لما ينبت في الزرع ، والحصد إنما يكون للزرع الذي ينبت فيه الحب ، لا للحب ، ألا ترى أنك تقول « حصدت الزرع » ولا تقول « حصدت الحب » ، وأما قوله تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [ القصص : 44 ] فالتقدير فيه : بجانب المكان الغربيّ ، وأما قولهم « صلاة الأولى » فالتقدير فيه : صلاة الساعة الأولى ، وأما قولهم « مسجد الجامع » فالتقدير فيه : مسجد الموضع الجامع ، وأما قولهم « بقلة الحمقاء » فالتقدير فيه : بقلة الحبة الحمقاء « 2 » ؛ لأن البقلة اسم لما نبت من تلك الحبة ، ووصف الحبة بالحمق ، وهو التحقيق « 1 » ؛ لأنها الأصل ، وما نبت
--> ( 1 ) كذا في الأصل في الموضعين ، والراجح عندنا أن الواو في قوله « وهو التحقيق » زائدة ، وأصل الكلام : ووصف الزرع بالحصيد هو التحقيق ، وكذلك في الموضع الثاني . ( 2 ) في ر « بقلة الجنة الحمقاء » تحريف .