أبو البركات بن الأنباري

9

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

يخبر به ويخبر عنه وهو الاسم ، نحو « اللّه ربّنا ، ومحمّد نبيّنا » وما أشبه ذلك ، فأخبرت بالاسم وعنه ، ومنها ما يخبر به ولا يخبر عنه ، وهو الفعل ، نحو « ذهب زيد ، وانطلق عمرو » وما أشبه ذلك ، فأخبرت بالفعل ، ولو أخبرت عنه فقلت « ذهب ضرب ، وانطلق كتب » لم يكن كلاما ؛ ومنها ما لا يخبر به ولا يخبر عنه ، وهو الحرف ، نحو « من ، ولن ، ولم ، وبل » وما أشبه ذلك ؛ فلما كان الاسم يخبر به ويخبر عنه ، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه ، والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه ، فقد سما [ الاسم ] على الفعل والحرف : أي علا ، فدلّ على أنه من السّموّ . والأصل فيه سمو على وزن فعل « 1 » - بكسر الفاء وسكون العين - فحذفت اللام التي هي الواو وجعلت الهمزة عوضا عنها ، ووزنه إفع ؛ لحذف اللام منه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : قولهم « إنما قلنا إنه مشتق من الوسم لأن الوسم في اللغة العلامة ، والاسم وسم على المسمّى وعلامة عليه يعرف به » قلنا : هذا وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة اللفظ [ 3 ] ، وهذه الصناعة لفظية ، فلا بدّ فيها من مراعاة اللفظ . ووجه فساده من جهة اللفظ من خمسة أوجه : الوجه الأول : أنّا أجمعنا على أن الهمزة في أوله همزة التعويض ، وهمزة التعويض إنما تقع تعويضا عن حذف اللام ، لا عن حذف الفاء « 2 » ، ألا ترى أنهم

--> ( 1 ) اعلم أولا أن العرب قد قالوا « اسم » بكسر همزة الوصل وبضمها أيضا ، وقالوا « سم » بكسر السين وضمها أيضا وجعل حركات الإعراب على الميم ، وقالوا « سما » مقصورا على مثال هدى وتقى وضحى ، وستأتي هذه اللغات مع الشواهد التي ساقها المؤلف ، ثم اعلم أن النحاة قد اختلفوا في وزن « سمو » على مذهب البصريين ؛ فمنهم من قال : أصله سمو - بكسر السين وسكون الميم - ونظيره من الصحيح حمل وجذع ، ومن المعتل قنو ، فمن حذف الواو ولم يعوض من المحذوف شيئا أبقى السين على كسرتها التي كانت لها ، ومن حذف الواو وعوض من المحذوف همزة الوصل ألقى كسرة السين على الهمزة فصارت السين ساكنة ، ومنهم من قال : أصله سمو - بضم السين وسكون الميم - ونظيره من الصحيح قفل وقرط ، ومن المعتل عضو ، فمن حذف الواو ولم يعوض أبقى ضمة السين على حالها ، ومن حذف الواو وعوض منها همزة الوصل ألقى ضمة السين على الهمزة ، ثم اعلم أن جمع الاسم على « أسماء » لا يقوي أحد هذين الرأيين ولا يرشحه ، وذلك لأن أفعالا من أوزان الجموع يكون لفعل المكسور أوله الساكن ثانيه كما يكون لفعل المضموم أوله الساكن ثانيه الصحيح والمعتل في ذلك سواء ، فأنت تقول : أحمال ، وأجذاع ، وأقناء ، وأقفال ، وأقراط ، وأعضاء . ( 2 ) اعلم أولا أن العرب قد حذفوا فاء الكلمة أحيانا ، وحذفوا لام الكلمة أحيانا أخرى ، وأن هذا الحذف قد يكون لعلة تصريفية ، وقد يكون اعتباطا لا لعلة تصريفية اقتضته ولا لسبب أوجبه إلا مجرد التخفيف ، وأنهم قد يحذفون ويعوضون من المحذوف شيئا ، وقد يحذفون ولا يعوضون من المحذوف شيئا أصلا ، فأما المحذوف لعلة تصريفية فلا نريد أن نتعرض له لأنه مبين في كتب التصريف بعلله وأسبابه التي اقتضته ، وأما الحذف لغير علة تصريفية استوجبته فهو موضوع حديثنا -