أبو البركات بن الأنباري
86
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
أراد « وقالت يا هذا اسمع » فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه . وإنما اختصّ هذا التقدير بفعل الأمر دون الخبر لأن المنادى مخاطب ، والمأمور مخاطب ، فحذفوا الأول من المخاطبين اكتفاء بالثاني عنه ، وإذا كان هذا المنادى إنما يقدر محذوفا فيما إذا ولي حرف النداء فعل أمر فلا خلاف أن « نعم المولى » خبر ؛ فيجب أن لا يقدّر المنادى فيه محذوفا ، يدل عليه أن النداء لا يكاد ينفكّ عن الأمر أو ما جرى مجراه من الطلب والنهي ، ولذلك لا يكاد يوجد في كتاب اللّه تعالى نداء ينفك عن أمر أو نهي ، ولهذا لما جاء بعده الخبر في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ [ الحج : 73 ] شفعه الأمر في قوله : فَاسْتَمِعُوا لَهُ فلما كان النداء لا يكاد ينفكّ عن الأمر وهما جملتا خطاب جاز أن يحذف المنادى من الجملة الأولى ، وليس كذلك « يا نعم المولى ونعم النصير » لأن نعم خبر ؛ فلا يجوز أن يقدّر المنادى فيه محذوفا . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال ، ألا ترى أنك لا تقول « نعم الرجل أمس » ولا « نعم الرجل غدا » وكذلك أيضا لا تقول « بئس الرجل أمس » ولا « بئس الرجل غدا » فلما لم يحسن اقتران الزمان بهما علم أنهما ليسا بفعلين . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنهما غير متصرفين ، لأن التصرف من خصائص الأفعال ؛ فلما لم يتصرّفا دل على أنهما ليسا بفعلين . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنهما ليسا بفعلين أنه قد جاء عن العرب « نعيم الرجل زيد » وليس في أمثلة الأفعال فعيل البتة ، فدلّ على أنهما اسمان ، وليسا بفعلين . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أنهما فعلان اتصال الضمير المرفوع بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرف ؛ فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا « نعما رجلين ، ونعموا رجالا » وحكى ذلك الكسائي ، وقد رفعا مع ذلك المظهر في نحو « نعم الرجل ، وبئس الغلام » والمضمر في نحو « نعم رجلا زيد ، وبئس غلاما [ 50 ] عمرو » فدلّ على أنهما فعلان . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنهما فعلان اتصالهما بتاء التأنيث