أبو البركات بن الأنباري
36
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
وأما ما استشهدوا به من قوله : * وعقبة الأعقاب في الشهر الأصم * [ 18 ] فهو مع شذوذه وقلته فلا تعلق له بما وقع الخلاف فيه ؛ لأن جمع التصحيح ليس على قياس جمع التكسير ليحمل عليه . وأما قولهم « إنا أجمعنا على أنك لو سميت [ 20 ] رجلا بحمراء وحبلى لقلت في جمعه : حمراؤون وحبلون - إلى آخر ما قدّروا » قلنا : إنما جمع ما في آخره ألف التأنيث بالواو والنون لأنها يجب قلبها إلى بدل ، لأنها صيغت عليها الكلمة ، فنزلت منزلة بعضها ، فلم تفتقر إلى أن تعوّض بعلامة تأنيث الجمع ، بخلاف التاء ، فإنها يجب حذفها إلى غير بدل ، لأنها ما صيغت عليها الكلمة ، وإنما هي بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم ، فجعلت علامة تأنيث الجمع عوضا منها . وأما قول ابن كيسان « إن التاء تسقط في الطّلحات ، فإذا سقطت التاء جاز أن تجمع بالواو والنون » قلنا : هذا فاسد ؛ لأن التاء وإن كانت محذوفة لفظا إلا أنها ثابتة تقديرا ؛ لأن الأصل فيها أن تكون ثابتة ، ألا ترى أن الأصل أن تقول في جمع مسلمة « مسلمتات » وصالحة « صالحتات » إلا أنهم لما أدخلوا تاء التأنيث في الجمع حذفوا هذه التاء التي كانت في الواحد ؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا بينهما ، لأن كل واحدة منهما علامة تأنيث ، ولا يجمع في اسم واحد علامتا تأنيث ، فحذفوا الأولى فقالوا « مسلمات ، وصالحات » وكان حذف الأولى أولى لأن في الثانية زيادة معنى ، ألا ترى أن الأولى تدلّ على التأنيث فقط ، والثانية تدل على التأنيث والجمع ، وهي حرف الإعراب ، فلما كان في الثانية زيادة معنى كان تبقيتها وحذف الأولى أولى ، فهي وإن كانت محذوفة لفظا إلا أنها ثابتة تقديرا ؛ فصار هذا بمنزلة ما حذف لالتقاء الساكنين ؛ فإنه وإن كان محذوفا لفظا إلا أنه ثابت تقديرا ، فكذلك هاهنا . وإذا كانت التاء المحذوفة هاهنا في حكم الثابت فينبغي أن لا يجوز أن تجمع بالواو والنون كما لو كانت ثابتة . والذي يدلّ على فساد ما ذهب إليه فتح العين من قوله « الطّلحون » لأن الأصل في الجمع بالواو والنون أن يسلم فيه لفظ الواحد في حروفه وحركاته ، والفتح قد أدخل في جمع التصحيح تكسيرا . فأما قوله « إن العين حركت من أرضون بالفتح حملا على أرضات » قلنا : لا نسلم ، وإنما غير فيه لفظ الواحد ؛ لأنه جمع على خلاف الأصل ؛ لأن الأصل في الجمع بالواو والنون أن يكون لمن يعقل ، ولكنهم لما جمعوه بالواو والنون غيّروا