أبو البركات بن الأنباري

19

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

بغلامك ؛ فتكون الضمة والفتحة والكسرة التي كانت إعرابا له في حال الإفراد هي بعينها إعرابا له في حال الإضافة ، فكذلك هاهنا ، والذي يدلّ على صحة هذا تغيّر الحركات على الباء في حال الرفع والنصب والجر ، وكذلك الواو والألف والياء بعد هذه الحركات تجري مجرى الحركات في كونها إعرابا ؛ بدليل أنها تتغير في حال الرفع والنصب والجر ؛ فدل على أن الضمة والواو علامة للرفع ، والفتحة والألف علامة للنصب ، والكسرة [ 8 ] والياء علامة للجر ، فدل على أنه معرب من مكانين « 1 » . ومنهم من تمسك بأن قال : إنما أعربت هذه الأسماء الستة من مكانين لقلة حروفها ، تكثيرا لها ، وليزيدوا بالإعراب في الإيضاح والبيان ؛ فوجب أن تكون معربة من مكانين على ما ذهبنا إليه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا « إنه معرب من مكان واحد » لأن الاعراب إنما دخل الكلام في الأصل لمعنى - وهو الفصل ، وإزالة اللّبس ، والفرق بين المعاني المختلفة بعضها من بعض ، من الفاعلية والمفعولية إلى غير ذلك - وهذا المعنى يحصل بإعراب واحد ؛ فلا حاجة إلى أن يجمعوا بين إعرابين ؛ لأن أحد الإعرابين يقوم مقام الآخر ، فلا حاجة إلى أن يجمع بينهما في كلمة واحدة . ألا ترى أنهم لا يجمعون بين علامتي تأنيث في كلمة واحدة نحو مسلمات وصالحات ، وإن كان الأصل فيه مسلمتات وصالحتات ؛ لأن كل واحدة من التاءين تدلّ على ما تدل عليه الأخرى من التأنيث ، وتقوم مقامها ، فلم يجمعوا بينهما ؛ فكذلك هاهنا . والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه أن ما ذهبنا إليه له نظير في كلام العرب ؛ فإن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد ، وما ذهبوا إليه لا نظير له في كلامهم ؛ فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان « 2 » ، فبان

--> ( 1 ) ونظير هذا ما قالوه في امرئ وابنم ؛ فإنه يقال « جاء امرؤ » بضم كل من الراء والهمزة ، ومنه قوله تعالى : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ويقال « رأيت امرأ » بفتح كل من الراء والهمزة ، ومنه قول اللّه تعالى : ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وقول الشاعر : إن امرأ غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور ويقال « مررت بامرىء » بكسر كل من الراء والهمزة ، ومنه قول اللّه جل ذكره : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وكذلك يصنعون مع « ابنم » . ( 2 ) قد حدثناك حديث صنيع العرب في « امرئ » و « ابنم » وأنهم - في ظاهر الأمر - يعربونهما من مكانين : الحرف الآخر ، والحرف الذي قبل الآخر ، فللكوفيين أن يقولوا : لا نسلم أن هذا لا نظير له في كلام العرب ، بل له نظير من الصحيح الآخر وهو امرؤ وابنم ، فإنا رأينا العرب تعربهما من مكانين .