أبو البركات بن الأنباري

145

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

فنصب ب « إذن » . والذي يدلّ على ذلك أيضا أنه إذا اعترض عليها بأدنى شيء بطل عملها واكتفي به ، كقولهم « إنّ بك يكفل زيد » كأنها رضيت بالصفة لضعفها ، وقد روي أن ناسا قالوا : « إنّ بك زيد مأخوذ » فلم تعمل « إنّ » لضعفها ؛ فدلّ على ما قلناه . وأما البصريون فاحتجّوا بأن قالوا : إنما قلنا إن هذه الأحرف تعمل في الخبر ، وذلك لأنها قويت مشابهتها للفعل ؛ لأنها أشبهته لفظا ومعنى ، ووجه المشابهة بينهما من خمسة أوجه ؛ الأول : أنها على وزن الفعل ، والثاني : أنها مبنيّة على الفتح كما أن الفعل الماضي مبنيّ على الفتح ، والثالث : أنها تقتضي الاسم كما أن الفعل يقتضي الاسم ، والرابع : أنها تدخلها نون الوقاية نحو « إنني ، وكأنني » كما تدخل على الفعل نحو « أعطاني ، وأكرمني » وما أشبه ذلك ، والخامس : أن فيها معنى الفعل ؛ فمعنى « إنّ ، وأنّ » حقّقت ، ومعنى « كأن » شبّهت ، ومعنى « لكن » استدركت ، ومعنى « ليت » تمنّيت ، ومعنى « لعل » ترجّيت ، فلما أشبهت الفعل من هذه الأوجه وجب أن تعمل عمل الفعل ، والفعل يكون له مرفوع ومنصوب ، فكذلك هذه الأحرف ينبغي أن يكون لها مرفوع ومنصوب ؛ ليكون المرفوع مشبها بالفاعل والمنصوب مشبها بالمفعول ، إلا أن المنصوب هاهنا قدّم على المرفوع لأن عمل « إنّ » فرع ، وتقديم المنصوب على المرفوع فرع ؛ فألزموا الفرع الفرع ، أو لأن هذه الحروف لما أشبهت الفعل لفظا ومعنى ألزموا فيها تقديم المنصوب على المرفوع ليعلم أنها حروف أشبهت الأفعال ، وليست أفعالا ، وعدم التصرف فيها لا يدل [ 83 ] على الحرفية ؛ لأن لنا أفعالا لا تتصرف ؛ نحو « نعم ، وبئس ، وعسى ، وليس ، وفعل التعجب ، وحبّذا » . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن هذه الأحرف إنما نصبت لشبه الفعل ؛ فينبغي أن لا تعمل في الخبر ؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع » قلنا : هذا يبطل باسم الفاعل ؛ فإنه إنما عمل لشبه الفعل ، ومع هذا فإنه