أبو البركات بن الأنباري

130

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

[ 73 ] 18 مسألة [ القول في تقديم خبر « ليس » عليها ] « 1 » ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر « ليس » عليها ، وإليه ذهب أبو العباس المبرد من البصريين ، وزعم بعضهم أنه مذهب سيبويه ، وليس بصحيح ، والصحيح أنه ليس له في ذلك نص « 2 » . وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر « ليس » عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها « 3 » . أما الكوفيّون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها وذلك لأن « ليس » فعل غير متصرّف ؛ فلا يجري مجرى الفعل المتصرّف كما أجريت « كان » مجراه لأنها متصرّفة ، ألا ترى أنك تقول : كان يكون فهو كائن وكن ، كما تقول : ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب واضرب ، ولا يكون ذلك في ليس ، وإذا كان كذلك فوجب أن لا يجري مجرى ما كان فعلا متصرّفا ، فوجب أن لا يجوز تقديم خبره عليه كما كان ذلك في الفعل المتصرّف ؛ لأن الفعل إنما يتصرّف عمله إذا كان متصرّفا في نفسه . فأما إذا كان غير متصرّف في نفسه فينبغي أن لا يتصرّف عمله ؛ فلهذا قلنا : لا يجوز تقديم خبره عليه ، والذي يدل على هذا أن « ليس » في معنى ما ؛ لأن ليس تنفي الحال كما أن ما تنفي الحال ، وكما أن ما لا تتصرّف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك ليس ، على أن من النحويين من يغلّب

--> ( 1 ) انظر في هذه المسألة : أسرار العربية للمؤلف ( ص 58 ليدن ) وشرح رضي الدين على كافية ابن الحاجب ( 2 / 276 ) وشرح موفق الدين بن يعيش على المفصل ( ص 1016 ) والأشموني ( 1 / 355 بتحقيقنا ) وحاشية الصبان ( 1 / 225 ) وتصريح الشيخ خالد الأزهري ( 1 / 225 بولاق ) . ( 2 ) يريد أنّه لا يوجد في كتاب سيبويه نص في هذا الموضوع ، لا بالجواز ولا بالمنع . ( 3 ) الذي ذكره النحاة أن القائلين بامتناع تقديم خبر ليس عليها هم جمهور الكوفيين ، والمتأخرون من البصريين ، وقد اختار هذا الرأي شيخ المحققين ابن مالك فقال في الخلاصة ( الألفية ) : * ومنع سبق خبر ليس اصطفى * وأن الذين يجيزون تقديم خبر ليس عليها هم قدماء البصريين ، والفراء ، وتبعهم ابن برهان ، والزمخشري ، والشلوبين ، وابن عصفور ، وهم من المتأخرين الذين يؤيدون مذهب أهل البصرة غالبا .