أبو البركات بن الأنباري
122
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
ما أفعله لا يجوز فيه أفعل من كذا ، وكذلك بالعكس منه : ما جاز فيه ما أفعله جاز فيه أفعل من كذا ، فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر ، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر ، دلّ على أنهما بمنزلة واحدة ، [ 69 ] وكذلك القول في « أفعل به » في الجواز والامتناع ، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال ما أفعله من البياض . وأما القياس فقالوا : إنما جوزنا ذلك من السواد والبياض دون سائر الألوان لأنهما أصلا الألوان ، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصّهبة والشّهبة والكهبة إلى غير ذلك ، فإذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان ؛ إذ كانا أصلين لها ومتقدمين عليها . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أنه لا يجوز استعمال « ما أفعله » من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونا غيرهما من سائر الألوان ؛ فكذلك لا يجوز منهما ، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك : إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على افعلّ نحو احمرّ واصفرّ واخضرّ وما أشبه ذلك ، أو لأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه ، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع ؛ فينبغي أن لا يجوز فيهما كسائر الألوان . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقول الشاعر : * فأنت أبيضهم سربال طباخ * [ 89 ] فلا حجّة فيه من وجهين ؛ أحدهما : أنه شاذ فلا يؤخذ به ، كما أنشد أبو زيد : [ 91 ] يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا * إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع