أبو البركات بن الأنباري
11
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
والوجه الثاني : أنك تقول « أسميته » ولو كان مشتقا من الوسم لوجب أن تقول « وسمته » فلما لم تقل إلا « أسميت » دلّ على أنه من السّموّ ، وكان الأصل فيه « أسموت » « 1 » ، إلا أن الواو التي هي اللام لما وقعت رابعة قلبت ياء ، كما قالوا : أعليت ، وأدعيت ، والأصل : أعلوت ، وأدعوت ، إلا أنه لما وقعت الواو رابعة قلبت ياء ، فكذلك هاهنا . وإنما وجب أن تقلب الواو ياء رابعة من هذا النحو حملا للماضي على المضارع ، والمضارع يجب قلب الواو فيه ياء نحو « يعلي ، ويدعي ، ويسمي » والأصل فيه « يعلو ، ويدعو ، ويسمو » وإنما وجب قلبها ياء في المضارع لوقوعها ساكنة مكسورا « 2 » ما قبلها ؛ لأن الواو متى وقعت ساكنة مكسورا ما قبلها وجب قلبها ياء ، ألا ترى أنهم قالوا : ميقات ، وميعاد ، وميزان ، والأصل : موقات ، وموعاد ، وموزان ؛ لأنه من الوقت ، والوعد ، والوزن ؛ إلا أنه لما وقعت الواو ساكنة مكسورا ما قبلها وجب قلبها ياء ؛ فكذلك هاهنا . وإنما حملوا الماضي على المضارع مراعاة لما بنوا عليه كلامهم من اعتبار حكم المشاكلة ، والمحافظة على أن تجري الأبواب على سنن واحد ، ألا ترى أنهم حملوا المضارع [ 4 ] على الماضي إذا اتصل به ضمير جماعة النسوة نحو
--> ( 1 ) للكوفيين أن يدعوا أن هذه الكلمة قد حصل فيها قلب مكاني ، وأنهم قالوا أول الأمر « أوسمت » على وزن أفعلت ، ثم نقلوا الواو التي هي فاء الكلمة إلى موضع اللام فقالوا « أسموت » على وزن أعلفت ، ثم قلبوا هذه الواو - بعد أن صارت في آخر الكلمة - ياء ، فصارت « أسميت » وبهذه الطريقة نفسها يجيبون عن الوجوه الآتية الثالث والرابع والخامس ، وقد تنبه موفق الدين ابن يعيش إلى ذلك فقال « فإن ادعى القلب فليس ذلك بالسهل ؛ فلا يصار إليه وعنه مندوحة » اه . ( 2 ) في كلام المؤلف ما يدل على أنه يشترط لقلب الواو ياء أن تكون هذه الواو ساكنة ، وليس ذلك بمستقيم على إطلاقه ؛ فإن الواو المتطرفة - أي الواقعة في آخر الكلمة - تنقلب ياء إذا انكسر ما قبلها ، مطلقا ، أي سواء أكانت ساكنة أم متحركة بل هي لا تكون ساكنة في آخر الكلمة - إلا لعارض لا دخل له في قلبها - وذلك ، من قبل أن آخر الكلم المتمكنة هو محل الإعراب ، وانظر إلى قولهم « رضى » وهو فعل ماض من الرضوان ، فإن أصل يائه واو مفتوحة ، وانظر إلى قولهم « غزى » و « دعى » بالبناء للمفعول ؛ فإن أصل يائهما الواو ، بدليل قولهم : دعاه يدعوه ، وغزاه يغزوه ، وقد انقلبت واوهما ياء لمجرد كونها طرفا مكسورا ما قبلها ، ثم انظر بعد ذلك إلى قولهم « الداعي ، والغازي ، والراضي » فإنك ستجد أن أصل هذه الياءات واو ، بدليل الاشتقاق الذي أشرنا إليه ، وقد انقلبت الواو في الكلمات الثلاث ياء لوقوعها في آخر الكلمة وكسر ما قبلها وأما سكون هذه الكلمات في حالة الرفع وحالة الجر فلعلة أخرى ، وهي استثقال الضمة والكسرة على الواو والياء ، والذي يؤكد لك ذلك أن هذه الواوات تقلب ياء في حالة النصب أيضا مع ظهور الفتحة على الواو وعلى الياء . وإنما يشترط سكون الواو مع انكسار ما قبلها لقلبها ياء إذا كانت في وسط الكلمة نحو ميعاد وميقات وميزان ، وقد بين المؤلف أصل هذه الكلمات .