يحيى عبابنة

85

تطور المصطلح النحوي البصري من سيبويه حتى الزمخشري

وأما المصطلحات التي تحويها الزمرة الثانية ، وهي التي تنصّ على أنه قائم مقام الفاعل ، فهي التي تطور عنها مصطلح نائب الفاعل الذي استخدمه المتأخرون « 84 » . والمصطلح الأول فيها : « ما يقوم مقام الفاعل » ، وكذلك الثاني : « ما كان بمنزلة الفاعل » يؤكدان قضيّة الإسناد ، فالفاعل في مثل هذه التراكيب محذوف - أو غير موجود - للأغراض التي ذكرتها « 85 » ولما كان النحويّون يوجبون وجود التلازم « 86 » بين بعض الأنماط اللغويّة ، ومنها الفعل والفاعل ، فقد كان لا بد من وجود المسند إليه ، فرأوا أنّ العرب أقامت المفعول مقام الفاعل من حيث الإسناد وليس من حيث الحركة الإعرابية كما قد يتوهّم من هذه الألفاظ ، وقد فصّل ابن جنّي الذكر في هذه المسألة وبيّن أنّ هناك أفعالا خصت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل ، فقال « 87 » : ( ويقولون : انقطع بالرّجل ، ولا يقولون انقطع به كذا . . . فلهذا جاء بهذا الباب « 89 » . أي ليريك أفعالا خصّت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل ، كما خصّت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول ، نحو : قام زيد ، وقعد جعفر ، وذهب محمد ، وانطلق بشر ، ولو كان غرضه أن يريك صورة ما لم يسمّ فاعله مجملا غير مفصل ، على ما ذكرنا ، لأورد فيه نحو : ضرب وركب ، وأكرم ، وأحسن إليه . . . ) ، وعلى هذا ، فإن معنى قولهم : ما قام مقام الفاعل أو ما كان بمنزلة الفاعل يعني تماما ما نصّوا عليه بقولهم : المفعول الذي لم يسمّ من فعل به وما يشبه هذا . بيد أن هذا المصطلح يعاني من صعوبة في لفظه ، مردها إلى طول عبارته . وأما مصطلح الزمخشري فهو مصطلح توفيقي ، جمع بين مصطلحات الزمرتين لفظا ومعنى ، فهو عنده « المفعول الذي أقيم مقام الفاعل وأسند إليه الفعل » ونلاحظ أنه طويل العبارة ولكنه يعدّ بداية لتقعيد المصطلح ، فقد سمّاه بعض المتأخرين عنه نائب الفاعل . وأما الزمرة الثالثة ، فنجد فيها مصطلح أبي جعفر النّحّاس وحيدا ، وعندي أن هذا المصطلح غريب بين مصطلحات البصريّين ومن ساير البصريّين ، ولكنني أجد أنّ هذا

--> ( 84 ) شرح قطر الندى ص 187 ، وشرح ابن عقيل 2 / 111 . ( 85 ) انظر ص 84 من هذا الكتاب . ( 86 ) معنى التلازم هو : إذا وجد الأول لا بد من وجود الثاني ، فإذا وجد الفاعل لا بد من وجود الفعل ، وكذلك العكس . ( 87 ) الخصائص 2 / 219 . ( 89 ) المقصود ب ( جاء بهذا الباب ) الإمام ثعلب ، أحمد بن يحيى ، نحوي كوفي بارز ولد سنة 200 ه وتوفي سنة 291 ه ، انظر بغية الوعاة 1 / 397 .