يحيى عبابنة
181
تطور المصطلح النحوي البصري من سيبويه حتى الزمخشري
الصّفة ، فقد رأينا أنّه استعمل عند نحويين اثنين وهما سيبويه والأخفش على حين استعمل مصطلح النّعت عند سيبويه والمبرد فقط أي أنّهما مصطلحان عابران في محيط المصطلحات البصريّة ، ولكن هل يصلحان أساسا لأن يكونا مصطلحين يعبّر بهما عن التوكيد ؟ للإجابة عن هذا السّؤال أقول إنّ الصفة أو النعت بمعناهما الاصطلاحي يضفيان مزيدا من التّحقيق والتّشديد والوضوح على معنى الجملة ، قال سيبويه : « 171 » ( وليس وصفا بمنزلة قولك : « الطويل » إذا قلت مررت بزيد الطويل ، ولكنّه بمنزلة نفسه إذا قلت : مررت به نفسه وأتاني هو نفسه ورأيته هو نفسه ، وإنما تريد بهنّ ما تريد بالنفس إذا قلت قدرت به هو هو ومررت به نفسه . ) فاستنادا إلى هذا النّصّ نرى أن الصّفة من التوكيد ، بل إنّ قولنا : « هو نفسه » يؤكد المعنى في نفس السامع فلا يعود بحاجة إلى استيضاح عنه ، فأقول : إنّ كلّ صفة توكيد ولكن ليس كلّ توكيد صفة ، وإنما يقبل هذا المصطلح « الصفة » أو مصطلح « النعت » في مرحلة الدراسات النحوية الأولى ، وقد رأينا كيف أقلع النحويون عن استعمالهما منذ بداية القرن الرابع بالنسبة لمصطلح النعت ، وبداية القرن الثالث الهجري بالنسبة لمصطلح الصفة . وذلك لعدم ملاءمة كلّ منهما لمعنى التّوكيد ، والسبب الآخر في عدم شهرة مصطلحي « النعت » و « الصفة » يعود إلى الازدواجية التي يعانيان منها ، فهما أشهر المصطلحات النحويّة في باب النّعت الذي مرّ ذكره . وأما مصطلح التّوكيد ، فلا يعاني من هذه الازدواجية ، إلّا انّني أزعم أنّ حصر التوكيد فيما حصره النحويون به أمر غير يسير وفيه تضييق على لفظه ومعناه ، فقد اتفق النحويون على أنّ التوكيد تابع ، نجد هذا عند سيبويه والمبرّد ، وابن السّرّاج والزّجّاجي وابن جنّي والزّمخشري ، إلّا أنّنا نجد إشارات إلى أنّ التوكيد أعظم من أن يكون تابعا عندهم جميعا ، فالقسم توكيد ، والخبر المؤكّد ب « إنّ » توكيد أيضا ، أضف إلى ذلك حروف الجرّ الزائدة ، وضمير الفصل والشأن والقصر والحصر ، والتّقديم والتّأخير ، فهذه كلّها توكيد ولكن لا يشملها تعريف النحويّين له . وقد سجل هذا الاحتجاج قديما محمّد التّهانوي ، فقال « 172 » : ( وهو أعم من أن يكون تابعا أولا . )
--> ( 171 ) الكتاب 2 / 385 . ( 172 ) كشاف اصطلاحات الفنون 1 / 90 - 91 .