يحيى عبابنة

122

تطور المصطلح النحوي البصري من سيبويه حتى الزمخشري

وقد قدّر آخرون أن الظرف ما كان يحسن فيه تقدير حرف الجرّ « الباء » « 177 » وقد ذكر الرّمّاني « للباء » معنى الظّرفيّة ، قال « 178 » : ( وتكون للظرف كقولك أقمت بمكة ، وكنت بالبصرة . ) وعلى هذا سمي الظرف ظرفا لأن الزمان والمكان مكون فيهما ، قال أبو البركات الأنباريّ « 179 » : ( فإن قيل : فلم سمّي ظرفا ؟ قيل لأنه لما كان محلا للأفعال سمّي ظرفا ، تشبيها بالأواني التي تحلّ الأشياء فيها ، ولهذا سمّى الكوفيّون الظروف « محالّ » لحلول الأشياء فيها . ) وقد تبين لنا سابقا أنّ ابن منظور قال إن الظّرف وعاء الشيء حتى إن الإبريق وعاء لما فيه « 180 » . فتسمية الظرف إذن نتاج حتمي لمعنى الظرف ، فقد أدرك العلماء أنّ الزمان هو ما يكون فيه الفعل أو ما يقع الفعل فيه ، وكذلك المكان ، فهو وعاء لهما ، كما أنّ الإبريق وعاء لما فيه ، والإبريق ظرف ، فهما إذن ظروف لما فيهما ، وهو كذلك ليس بعيدا عما اصطلح له الكوفيون من مصطلحات ، كالمحلّ والصّفة ، فكلاهما يحمل معنى الوعاء ، وإن هي إلا تسميات أطلقها النحويون في المصرين : البصرة والكوفة ، اجتهادا منهم بأنها تؤدي المعنى المراد التعبير عنه ، نتبيّن هذا من نص ابن منظور واستعمال ابن السّرّاج لمصطلح الصّفة « 181 » ، وهذا الاستعمال ناشيء في ما أرى عن اجتهاد ابن السّرّاج - وهو بصري المذهب - بأن لفظ الصّفة يحمل ما يحمله مصطلح الظرف من معنى . وأما مصطلح المفعول فيه فهو يحمل معنى الظرف تماما ، إلا أنه أضيف إليه لفظ المفعول ، لأنّه في الحقيقة مكان أو زمان لحدوث الفعل ، وأما لفظ ( فيه ) المركب مع لفظ المفعول فهو لأنه يحسن تقدير ( في ) في لفظه دون إخلال بتركيب الجملة والكلام .

--> ( 177 ) الكتاب 1 / 412 . ( 178 ) كتاب معاني الحروف ص 36 - 37 . ( 179 ) أسرار العربية ص 177 . ( 180 ) لسان العرب ، ( ظرف ) . ( 181 ) الأصول في النحو 1 / 245 - 246 ، وانظر 1 / 254 ومواضع أخرى .