ابن هشام الأنصاري
52
شرح قطر الندى وبل الصدى
« [ 9 ] » - * تعالي أقاسمك الهموم تعالي * بكسر اللام . [ علامة الفعل المضارع ] ولما فرغت من ذكر علامات الأمر وحكمه ، وبيان ما اختلف فيه منه ثلّثت
--> ( [ 9 ] ) - هذا عجز بيت لأبي فراس الحمداني ، ابن عم سيف الدولة الحمداني ممدوح المتنبي ، من كلمة يقولها وهو أسير في بلاد الروم ، وصدر البيت مع بيتين سابقين عليه قوله : أقول وقد ناحت بقربي حمامة * أيا جارتا ، لو تشعرين بحالي معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوى * ولا خطرت منك الهموم ببال أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا * تعالي . . . إلخ وقد نسب العلامة الأمير في حاشيته على شذور الذهب البيت لأبي نواس ، وهو انتقال نظر ، والصواب ما ذكرناه من أنه لأبي فراس ؛ وقد ذكر جار اللّه الزمخشري بيت الشاهد في تفسير سورة النساء من الكشاف . وأبو فراس صاحب هذه الأبيات شاعر مجيد مطبوع ، ولكنه لا يستشهد بشعره في اللغة وقواعد النحو والصرف ، وذلك لأنه من الشعراء المولدين الذين جاؤوا بعد ما فسدت الألسنة وكثر الدخيل وفشا اللحن ، فإنه ولد في سنة ( 320 ) من الهجرة ، وتوفي سنة ( 357 ) ، ولم يذكر المؤلف ولا الزمخشري هذا البيت على أنه شاهد للمسألة ، وإنما ذكره الزمخشري على سبيل التمثيل ، وذكره المؤلف ليحكم عليه بأنه لحن وخطأ ؛ فلا اعتراض عليهما ، وقد ذكره المؤلف أيضا في كتابه الشذور ( رقم 6 ) لمثل ما ذكره هنا . اللغة : « ناحت » بكت ، وبكاء الحمام : تغريده « لو تشعرين بحالي » يريد لو كنت تجدين مثل ما أنا فيه من الهم والآلام لفراق الأهل والأوطان ما سمع أحد صوتك « معاذ الهوى » أي : أعوذ بالهوى معاذا : أي ألجأ إليه لجوءا « طارقة النوى » النوى : البعد والفراق ، وطارقته : ما يطرق منه ويحدث . المعنى : يصف حاله في بعده عن أهله وخلانه ، ووقوعه بين أيدي الأعداء أسيرا ، ويبث ما يلاقي من آلام الشوق ، ويصور ذلك في صورة أنه رأى حمامة تغرد في مكان قريب منه ، فشكا إليها ما به ؛ وقال : إنك تغردين لأنك لا تشعرين بمثل شعوري ، فأنت طليقة وأنا أسير ، وأنت على مقربة من فراخك وأنا بعيد عن صحبي وذوي قرباي ، ثم طلب إليها أن تحضر إليه لكي تقاسمه ما يجده من آلام . الإعراب : « تعالي » فعل أمر ، مبني على حذف النون ، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل مبني على السكون في محل رفع « أقاسمك » أقاسم : فعل مضارع ، مجزوم في جواب الأمر ، وعلامة جزمه السكون ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا ، والكاف ضمير المخاطبة المؤنثة مفعول به أول لأقاسم ، مبني على الكسر في محل نصب « الهموم » مفعول ثان لأقاسم ، منصوب بالفتحة الظاهرة « تعالي » مثل تعالي السابق في الإعراب ، وهو تأكيد له . التمثيل به : محل التمثيل بهذا البيت قوله « تعالي » حيث نطق بها هذا الشاعر مكسورة اللام ؛ بدليل -