ابن هشام الأنصاري

49

شرح قطر الندى وبل الصدى

ولما فرغت من ذكر علامات الماضي ، وحكمه ، وبيان ما اختلف فيه منه ثنّيت

--> - ومبتدأ على لغة بني تميم ، وعلى كل حال هو مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ، وليل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه ، مبني على السكون في محل جر « بنام » الباء حرف جر زائد ، وهي داخلة على مقدر ليس مذكورا في الكلام ، والتقدير : ما ليلي بليل نام صاحبه . وليل المقدر هو خبر ما أو خبر المبتدأ ، وهو منصوب على الأول ومرفوع على الثاني ، وعلامة نصبه أو رفعة فتحة أو ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد ، و « نام » فعل ماض مبني على الفتح « صاحبه » صاحب : فاعل نام ، مرفوع بالضمة الظاهرة ، وصاحب مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه مبني على السكون في محل جر ، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب أو رفع نعت لليل المحذوف ، وقيل : هذه الجملة في محل نصب مقول لقول محذوف ؛ وهذا القول المحذوف هو الذي يكون نعتا لليل المحذوف ، وأصل الكلام على هذا : واللّه ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه « ولا » الواو عاطفة ، لا زائدة لتأكيد النفي « مخالط » معطوف على محل قوله « بليل نام صاحبه » : إن جعلت محلها نصبا نصبته ، وإن جعلت محلها رفعا رفعته ؛ ويجوز جره على أن يكون نعتا لليل المحذوف تبعا للفظه ، ويجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة معطوفة على جملة « نام صاحبه » ومخالط اسم فاعل من خالط ، وهو مضاف و « الليان » مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله ؛ وقوله جانب من « جانبه » فاعل بمخالط ، وجانب مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه . الشاهد فيه : قوله « بنام » فإن الباء حرف جر ، ونام فعل ماض ، وهذان أمران متفق عليهما بين الكوفيين والبصريين ؛ فلا يختلف أحد في أن الباء حرف جر ، كما لا يختلف أحد في أن « نام » فعل ماض ، ومن المتفق عليه بينهما أيضا أن حرف الجر لا يدخل في اللفظ والتقدير جميعا على الفعل ، وإذا كان ذلك كذلك فقد اتفقوا على أن هذه الباء داخلة في التقدير على اسم ، كما قررنا في الإعراب . وقد روى البصريون هذا البيت لإبطال حجة الكوفيين القائلين إن « نعم » اسم بدليل دخول حرف الجر عليها ، وطريق الإبطال أن يقال : لا يلزم من دخول حرف الجر في اللفظ على كلمة ما أن تكون هذه الكلمة اسما ؛ لأنه يجوز أن يكون التقدير أن حرف الجر داخل على كلمة أخرى محذوفة من اللفظ كما في هذا البيت ، وذلك أن كلمة « نام » فعل بالإجماع من الفريقين كما قلنا ، وقد دخلت عليها في اللفظ باء الجر ؛ فلم يدل دخولها على خروج الكلمة من الفعلية إلى الاسمية ؛ فيكون دخول الباء على « نعم » في قول القائل « ما هي بنعم الولد » ودخول « على » على « بئس » في قول الآخر « على بئس العير » غير دال على اسمية نعم وبئس ، ويبقى أن دليلنا على فعليتهما دخول علامة الأفعال عليهما كتاء التأنيث في نحو « فبها ونعمت » وفي نحو « بئست المرأة حمالة الحطب » . فإن قلت : فلماذا أولت دليل الكوفيين وزعمت أن مدخول حرف الجر محذوف ، ولم تؤول دليل البصريين ؟ فالجواب عن ذلك أنني وجدت دخول تاء التأنيث على هذه الأفعال مطردا في الكلام فلم أجرؤ على تأويله ، ووجدت دخول حرف الجر غير مطرد في الكلام ، كما وجدت حرف الجر يدخل في اللفظ على ما ليس باسم باتفاق الفريقين ، ووجدت الفريقين يؤولون هذا كما في هذا الشاهد فلذلك جرؤت على تأويل دليل الكوفيين .