ابن هشام الأنصاري
44
شرح قطر الندى وبل الصدى
وقال آخر : « [ 7 ] » - إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن * لقاؤك إلّا من وراء وراء
--> - الشاهد فيه : قوله « أول » فإن الرواية في هذه الكلمة بالضم ، وذلك على تقدير حذف المضاف إليه ونية معناه لا لفظه ؛ كما في قراءة السبعة في قوله تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وفي قول أبي النجم يصف فرسا : * أقبّ من تحت عريض من عل * وكما يروى في قول العرب : « ابدأ بذا من أول » بضم اللام ؛ فإن كل هذه الشواهد يخرج على البناء بسبب حذف لفظ المضاف إليه ونية معناه . فإن قلت : ما معنى نية معنى المضاف إليه بعد حذفه ؟ وما معنى نية لفظه ؟ فالجواب : أنك حين تحذف المضاف إليه وأنت تنويه إما أن تلاحظ لفظه المعين الدالّ عليه ، ويكون هذا اللفظ هو مقصودا بذاته ، وحينئذ تكون قد حذفت المضاف إليه ونويت لفظه ، وإما أن تلاحظ معنى المضاف إليه ، من غير نظر إلى لفظ معين يدل عليه ، بل يكون المقصود لك هو هذا المعنى مدلولا عليه بلفظ أي لفظ ، وحينئذ تكون قد حذفت المضاف إليه ونويت معناه . فإن قلت : فلماذا كانت نية معنى المضاف إليه لا تقتضي إعراب المضاف ، وكانت نية لفظه مقتضية لإعرابه ؟ فالجواب عن ذلك : أن الإضافة مع إرادة معنى المضاف إليه ضعيفة ، بسبب كون المضاف إليه غير موجود في الكلام وغير مقصود بلفظ معين ، فأما نية لفظ المضاف إليه فقوية ، ولما كانت الإضافة من خصائص الأسماء كانت معارضة لسبب بناء الاسم على ما ذكرناه فيما مضى ، ولما كان انقطاع الاسم عن الإضافة - بحسب الظاهر - يقتضي بقاء ما ثبت له من البناء بسبب شبه الحرف في الاحتياج راعينا هذا الظاهر في حذف المضاف إليه ونية معناه ؛ لضعف الإضافة حينئذ عن أن تعارض سبب البناء ، وراعينا جانب الإضافة حين كانت قوية عند إرادة لفظ المضاف إليه ، فافهم هذا التحقيق فإنه مفيد . ( [ 7 ] ) - لم أقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين ، ولم أقف له على سابق أو لاحق . اللغة : « أومن » أصله أؤمن - بهمزة مضمومة هي همزة المضارعة ضمت للبناء للمجهول ، وهمزة بعدها ساكنة هي فاء الكلمة - فقلبت الهمزة الثانية واوا ؛ لأن كل همزتين اجتمعتا في أول كلمة وثانيتهما ساكنة تقلب الثانية حرف مد من جنس حركة الأولى ، فإذا كانت الأولى مفتوحة قلبت الثانية ألفا نحو آمن وآثر وآدم ، وإن كانت الأولى مكسورة قلبت الثانية ياء نحو إيمان وإيثار وإيلاف ، وإن كانت الأولى مضمومة قلبت الثانية واوا نحو أوثر وأومن وأولف « وراء » كلمة بمعنى خلف ، ويكون معناها ما استتر عنك ولم تشاهده عيناك . المعنى : لا خير في المودة التي بيننا « مثلا » إذا كنت لا تجدني أهلا لأن تأمنني على سرك وسائر شؤونك ، وكنت لا تلقاني إلا لقاء من لا يقبل ولا يبش .