ابن هشام الأنصاري
346
شرح قطر الندى وبل الصدى
كل ، وقد استعمله الزجاجيّ في جمله ، واعتذر عنه بأنه تسامح فيه موافقة للناس « 1 » . والثاني : بدل بعض من كل « 2 » ، وضابطه : أن يكون الثاني جزءا من الأول كقولك : « أكلت الرّغيف ثلثه » ، وكقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا « 3 » ، فمن استطاع : بدل من الناس ، هذا هو المشهور ؛ وقيل فاعل بالحج ، أي : وللّه على الناس أن يحجّ مستطيعهم . وقال الكسائي : إنها شرطية مبتدأ ، والجواب محذوف ، أي : من استطاع فليحجّ ، ولا حاجة لدعوى الحذف مع إمكان تمام الكلام ؛ والوجه الثاني يقتضي أنه يجب على جميع الناس أن مستطيعهم يحجّ ، وذلك باطل باتفاق ، فيتعين القول الأول . وإنما لم أقل « البعض » - بالألف واللام - لما قدّمت في كلّ . والثالث : بدل الاشتمال ، وضابطه : أن يكون بين الأول والثاني ملابسة بغير الجزئية ، كقولك : « أعجبني زيد علمه » وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ « 4 » . ونبهت بالتمثيل بالآيات الثلاث على أن البدل والمبدل منه يكونان نكرتين ، نحو [ قوله تعالى ] : مَفازاً حَدائِقَ ، ومعرفتين مثل الناس ومن ، ومختلفين مثل الشهر وقتال .
--> ( 1 ) وقد وقع المصنف في هذا الذي فر منه هنا ، وذلك في كلامه على التوكيد بكل ، ونبهنا عليه هناك . ( 2 ) إن قلت : هل يجب في بدل بعض من كل أن يضاف البدل إلى ضمير يعود إلى المبدل منه ليكون رابطا للبدل بالمبدل منه ؟ فالجواب عن ذلك أن أكثر النحويين ذهبوا إلى أنه لا بد في هذا النوع من البدل أن يضاف إلى ضمير المبدل منه ، فإن لم يكن في الكلام ضمير قدر الضمير ، فمثال ما ذكر معه الضمير قوله تعالى : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ ومثال ما لم يذكر معه الضمير قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فمن استطاع : بدل من الناس ، ولا ضمير معه في اللفظ ، وتقديره : من استطاع منهم ، واختلفت كلمة ابن مالك ، فذكر في التسهيل أنه لا بد من الضمير أو ما يقوم مقامه كالألف واللام ، وقال في شرح الكافية : الصحيح أنه لا يشترط ، لكن وجوده أكثر من عدمه . ( 3 ) من الآية 97 من سورة آل عمران . ( 4 ) من الآية 217 من سورة البقرة .