ابن هشام الأنصاري
344
شرح قطر الندى وبل الصدى
عمرو » ردّا على من اعتقد أن « عمرا » جاء دون « زيد » أو أنهما جاءاك معا ، وتقول : « ما جاءني زيد لكن عمرو » ، أو « بل عمرو » ردّا على من اعتقد العكس ، والثاني : أن « لا » إنما يعطف بها بعد الإثبات ، و « بل » يعطف بها بعد النفي ، و « لكن » إنما يعطف بها بعد النفي ، ويكون معناها كما ذكرنا ، ويعطف ببل بعد الإثبات « 1 » ، ومعناها حينئذ إثبات الحكم لما بعدها وصرفه عما قبلها وتصييره كالمسكوت عنه ، من قبل أنه لا يحكم عليه بشيء ، وذلك كقولك : « جاءني زيد بل عمرو » . وقد تضمن سكوتي عن « إمّا » أنها غير عاطفة ، وهو الحقّ ، وبه قال الفارسيّ ، وقال الجرجاني : عدّها في حروف العطف سهو ظاهر « 2 » . * * *
--> - ثم اعلم ثانيا أن المخاطب الذي يلقى إليه هذا الكلام قد يكون معتقدا لضد الوصف الذي يسند إلى المحدث عنه ، كأن يكون معتقدا أن محمدا جاهل ؛ فإذا قلت في هذه الحال « إنما محمد عالم » كنت قد قلبت عليه اعتقاده ؛ فهذا يسمى قصر قلب ، وقد يكون المخاطب معتقدا أن المحدث عنه موصوف بصفتين ؛ كأن يعتقد أن خالدا شاعر وناثر ، فتريد أن تبين له أنه موصوف بأحد الوصفين دون الآخر ؛ فتقول « إنما خالد شاعر » فهذا يسمى قصر إفراد ؛ لأنك أفردت الموصوف بإحدى الصفتين اللتين اعتقد المخاطب أنه متصف بهما جميعا ، وقد يكون المخاطب معتقدا أن المحدث عنه موصوف بصفة واحدة ولكنه لا يجزم بهذه الصفة بذاتها ، كأن يكون مترددا في أن تكون هذه الصفة هي الكتابة أو الشعر ؛ فإذا قلت حينئذ « إنما خالد كاتب » كنت قد عينت للمخاطب الصفة التي اتصف بها المحدث عنه من بين الصفتين اللتين كان يتردد في أيتهما التي يتصف بها المحدث عنه ، وهذا يسمى قصر التعيين . فالقصر على ثلاثة أنواع : قصر قلب ، وقصر إفراد ، وقصر تعيين ، وللمخاطب ثلاثة أحوال أيضا ، وانقسام القصر إلى هذه الثلاث بالنظر إلى حال المخاطب ؛ فإن كان المخاطب يعتقد ضد ما تثبته فهو قصر القلب ، وإن كان يعتقد ما تثبته وزيادة فهو قصر الإفراد ، وإن كان مترددا بين ما تثبته وغيره فهو قصر التعيين . ( 1 ) في كل نسخ الأصل : « ويعطف بها بعد الإثبات » فيعود الضمير إلى « لكن » لأنها أقرب شيء مذكور في الكلام وهو خطأ ؛ فقد قرر المؤلف قريبا أن « لكن » يعطف بها بعد النفي وحده . ( 2 ) خاتمة - كما يجوز عطف الاسم على الاسم يجوز عطف الفعل على الفعل ، سواء أكانت صيغة المعطوف والمعطوف عليه واحدة - بأن كان كل منهما ماضيا نحو قوله تعالى : فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أو كان كل منهما مضارعا نحو قوله جلّ شأنه : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ - أم اختلفت صيغة المعطوف والمعطوف عليه - بأن كان المعطوف ماضيا والمعطوف عليه مضارعا كقوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ أو بالعكس فكان المعطوف مضارعا والمعطوف عليه ماضيا كقوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً وأما فعل الأمر فعطف مثله عليه من باب عطف الجمل ؛ لأن في فعل الأمر ضميرا مستترا وجوبا . ويجوز أيضا عطف الفعل على اسم يشبه الفعل ، نحو قوله تعالى : فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ويجوز -