ابن هشام الأنصاري

339

شرح قطر الندى وبل الصدى

[ معنى ثم ] ص - وثمّ للترتيب والتّراخي . ش - إذا قيل « جاء زيد ثمّ عمرو » فمعناه أن مجيء عمرو وقع بعد مجيء زيد بمهلة ؛ فهي مفيدة أيضا لثلاثة أمور : التشريك في الحكم ، ولم أنبّه عليه لوضوحه ، والترتيب ، والتراخي . فأما قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ « 1 » ، فقيل : التقدير خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم ؛ فحذف المضاف منهما « 2 » . * * * [ معنى حتى ] ص - وحتّى للغاية والتّدريج . ش - معنى الغاية - آخر الشيء ، ومعنى التدريج : أنّ ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ إلى الغاية ، وهو الاسم المعطوف ، ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه : إمّا تحقيقا كقولك « أكلت السّمكة حتّى رأسها » أو تقديرا كقوله : « [ 141 ] » - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله * والزّاد حتّى نعله ألقاها

--> ( 1 ) من الآية 11 من سورة الأعراف . ( 2 ) قد تأتي « ثم » بمعنى الواو ، نحو قوله تعالى : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وإنما قلنا إن « ثم » في هذه الآية بمعنى الواو لأنه ورد في آية أخرى من سورة الأعراف : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها والقصة واحدة ، فكان حمل إحدى الآيتين على الأخرى أولى . وقد تأتي « ثم » بمعنى الفاء ، نحو قول الشاعر : كهزّ الرّديني تحت العجاج * جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب وزعم الأخفش ونحاة الكوفة أن « ثم » تقع زائدة ، ومثلوا له بقوله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا من سورة التوبة ؛ فجعلوا تابَ عَلَيْهِمْ جوابا ، وثم زائدة ، وهذا غير مسلم ، بل الجواب محذوف وثم عاطفة . ( [ 141 ] ) - حكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن هذا البيت من كلام أبي مروان النحوي ، يقوله في قصة المتلمس وفراره من عمرو بن هند ، وكان عمرو بن هند قد كتب له كتابا إلى عامله يأمره فيه بقتل المتلمس ، وأوهم المتلمس أنه أمر له في هذا الكتاب بعطاء عظيم ، ففتحه واقترأه ، فلما علم ما فيه رمى به في النهر ، وبعد هذا البيت المستشهد به قوله : ومضى يظنّ بريد عمرو خلفه * خوفا ، وفارق أرضه وقلاها الإعراب : « ألقى » فعل ماض ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو « الصحيفة » مفعول به لألقى « كي » حرف تعليل وجر ، أو حرف مصدري ونصب « يخفف » فعل مضارع منصوب إما بأن مضمرة إن -