ابن هشام الأنصاري
268
شرح قطر الندى وبل الصدى
[ « كم » على نوعين ، وبيان حكم تمييز كل منهما ] ومن تمييز العدد تمييز « كم » الاستفهامية « 1 » ، وذلك لأن « كم » في العربية كناية عن عدد مجهول الجنس والمقدار ، وهي على ضربين : استفهامية بمعنى أيّ عدد ، ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء ، وخبرية بمعنى كثير ، ويستعملها من يريد الافتخار والتكثير ، وتمييز الاستفهامية منصوب مفرد ؛ تقول : « كم عبدا ملكت ؟ » و « كم دارا بنيت ؟ » وتمييز الخبرية مخفوض دائما ، ثم تارة يكون مجموعا كتمييز العشرة فما دونها ، تقول : كم عبيد ملكت ، كما تقول : عشرة أعبد ملكت ، وثلاثة أعبد ملكت ، وتارة يكون مفردا كتمييز المائة فما فوقها ، تقول : كم عبد ملكت ؟ كما تقول : مائة عبد ملكت ، وألف عبد ملكت ، ويجوز خفض تمييز « كم » الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر ، تقول : بكم درهم اشتريت ؟ والخافض له « من » مضمرة ، لا الإضافة ؛ خلافا للزّجّاج . الثالث : من مظانّ تمييز المفرد : ما دلّ على مماثلة ، نحو قوله تعالى : وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 2 » ، وقولهم : إنّ لنا أمثالها إبلا . الرابع : ما دلّ على مغايرة ، نحو : إنّ لنا غيرها إبلا [ أو شاء ] وما أشبه ذلك .
--> ( 1 ) الفرق بين « كم » الاستفهامية وتمييزها و « كم » الخبرية وتمييزها من عشرة أوجه ؛ الأول : أن الأصل في تمييز الاستفهامية النصب وفي تمييز الخبرية الجر ، وقد يختلف الحال في كل منهما ، والثاني : أن تمييز الاستفهامية يكون مفردا لا غير وتمييز الخبرية يكون مفردا ويكون جمعا ، والثالث : أن الفصل بين الاستفهامية ومميزها جائز في سعة الكلام ، والفصل بين الخبرية ومميزها لا يقع إلا في الضرورة ، والرابع : أن الاستفهامية لا تدل على التكثير والخبرية تدل عليه وفي كل منهما خلاف ، ولكن ما ذكرناه هو الأصل وهو مذهب الجمهور ، والخامس : أن الخبرية يعطف على تمييزها بلا ، تقول : كم رجل جاءني لا رجل ولا رجلين ، والاستفهامية لا يجوز فيها ذلك ، والسادس : أن الاستفهامية تحتاج إلى جواب ، والأجود في جوابها أن يكون بحسب موقعها هي من الإعراب ، ويجوز فيه الرفع مطلقا ، والخبرية لا تحتاج إلى جواب ، والسابع : أن الخبرية تختص بالماضي مثل « رب » ، أما الاستفهامية فلا تختص به ، فتقول « كم عبدا سأملكه » على معنى الاستفهام ، والثامن : أن المتكلم بكم الخبرية يتوجه إليه التصديق والتكذيب بخلاف المتكلم بكم الاستفهامية ، والتاسع : أن البدل من الاستفهامية يقترن بهمزة الاستفهام ، بخلاف الخبرية فلا يقترن البدل منها بالهمزة ، والعاشر : أن تمييز الاستفهامية يجب نصبه إذا فصل منها بظرف أو جار ومجرور كما هو أصله ، فأما تمييز الخبرية فإنه إذا فصل منها بأحدهما - ولا يكون فصله منها إلا في الضرورة كما قدمنا - فإنه يجوز نصبه وهو المختار حملا على تمييز الاستفهامية ، ويجوز جره إما بحرف الجر وإما بالإضافة على الأصل ، فإن كان الفاصل جملة فعلية لم يستوف فعلها معمولانه وجب جر التمييز بمن ، استفهامية كانت كم أو خبرية . ( 2 ) من الآية 109 من سورة الكهف .