ابن هشام الأنصاري
24
شرح قطر الندى وبل الصدى
والحمى ، وبحضارته التي بهرت أنظار العالم ولم تبخل على أحد بشيء منها ، ولم تحاول التغرير بأحد ولا استغلاله ولا الاستعلاء عليه ، ولم تدّع لنفسها ما ليس لها ، ولا زيفت التاريخ وغضت من حضارات سبقتها واقتبست هي منها ، لأنها غنية بمفاخرها وأمجادها ، فليست بها حاجة أن تسلب أمجاد غيرها ولا مفاخرهم ، ولأنها حضارة بنيت على مكارم الأخلاق واحترام المثل العليا ، وليس من مكارم الأخلاق ولا من احترام المثل العليا أن تنسب لنفسها ما هو من صنيع غيرها » . ثم يضيف : « وقد أظهر ناشر هذا الكتاب من البراعة والحذق في اختياره ، في هذه الفترة التي نجتازها اليوم ، ما هو خليق بالتقدير والثناء ، فنحن في حاجة ماسة إلى نظرة فاحصة في تشريعاتنا في الدماء والأموال والأحوال الشخصية ، ونحن في حاجة ماسة إلى أن يطلع أهل الرأي منا على آراء الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة في ذلك كله ، ونحن في حاجة ماسة إلى أن نظهرهم على الآفاق الواسعة والآراء الناضجة المؤسسة على سعة الاطلاع ونفاذ البصيرة وبراعة العرض وحسن الترجيح ، وقد تكفل هذا الكتاب - على صغر حجمه - بالكثير من ذلك » « 1 » . والحديث عن تحقيق كتب التراث قد يمتد ما شاء اللّه له أن يمتد دون أن نوفيه حقه من التمام ، وإلى ما لا يتسع له المقال ، وإنما تبقى نقطة نكتفي بالإشارة إليها ، فإن بعضا من المنتسبين إلى العلم أو العاملين في تحقيق التراث قد يعمد إلى الانتقاص من قدر الرجل وقيمة جهده وعمله ، أنه - من مذهبهم - لا يوافق عمل المستشرقين ، ولا يجري على سنن المنهجية التي ادعوها لأنفسهم ، تقليدا للمستشرقين ، وحسبك أن نحيلك إلى نتف من أقوال السلف الصالح ، ففيها الغناء عن كثير مما ينبغي قوله في ذلك المقال ، يقول التاج السبكي في طبقاته : « قد عرّفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح - وإن فسره - في حق من غلبت طاعته على معاصيه ، ومادحوه على ذامّيه ، ومزكوه على جارحيه ، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها من تعصب مذهبي ، أو منافسة دنيويّة ، كما يكون بين النظراء ، وغير ذلك ، وحينئذ فلا يلتفت إلى كلام الثوري وغيره في أبي حنيفة ، وابن أبي
--> ( 1 ) من مقدمة كتاب « لطرق الحكمية » لابن قيم الجوزية .