ابن هشام الأنصاري

207

شرح قطر الندى وبل الصدى

الثانية : أن يكون ضميرا متصلا ، كقولك « الشّمس طلعت » . وكان الظاهر أن يجوز في نحو : « ما قام إلا هند » الوجهان ، ويترجح التأنيث ، كما في قولك « حضر القاضي امرأة » ولكنهم أوجبوا فيه ترك التاء في النثر لأن ما بعد « إلا » ليس الفاعل في الحقيقة ، وإنما هو بدل من فاعل مقدّر قبل إلا « 1 » ، وذلك المقدر هو المستثنى منه ، وهو مذكّر ، فلذلك ذكّر العامل ، والتقدير : ما قام أحد إلا هند . [ يطّرد حذف الفاعل في أربعة مواضع ] وهذا أحد المواطن الأربعة التي يطّرد فيها حذف الفاعل ، والثاني : فاعل المصدر كقوله تعالى : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ « 2 » تقديره : أو إطعامه يتيما ، والثالث : في باب النيابة ، نحو : وَقُضِيَ الْأَمْرُ « 3 » أصله - واللّه أعلم - وقضى اللّه الأمر ، والرابع : فاعل أفعل في التعجب إذا دلّ عليه مقدّم مثله ، كقوله تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ « 4 » أي : وأبصر بهم ، فحذف « بهم » من الثاني لدلالة الأول عليه ، وهو في موضع رفع على الفاعلية عند الجمهور « 5 » . * * *

--> ( 1 ) هذا البدل من نوع بدل البعض من الكل ، ألا ترى أن هندا فرد مما يصلح له لفظ أحد ، وأنت لو تدبرت لم تجد مع هند ضميرا يعود إلى أحد ، كما أنك تجد أن « أحدا » قد انتفى عنه القيام ، في حين أن القيام ثابت لهند ، لأن ما بعد إلا يخالف ما قبلها في النفي والإثبات ، ونحن نعلم أن بدل البعض من الكل يجب أن يضاف إلى ضمير يعود إلى المبدل منه ، كما يجب أن يكون مثل المبدل منه في ثبوت الحكم أو نفيه ؛ فيسأل هنا عن السر في مخالفة البدل في الأمرين ، والجواب عن ذلك أن نقول : إن هذه الصورة من الكلام لم يلتزم فيها أحد هذين الأمرين ؛ لأن الاستثناء المتصل من طبعه يفيد أن المستثنى جزء من المستثنى منه ، إذ لولا ذلك لما صح الاستثناء ؛ فهو إذن في غير حاجة إلى الضمير ، فإن ما يفيده الضمير قد أفاده الكلام . ( 2 ) الآيتان 14 ، 15 من سورة البلد . ( 3 ) من الآية 44 من سورة هود . ( 4 ) من الآية 38 من سورة مريم . ( 5 ) بقي عليه مما يطرد فيه حذف الفاعل : أن يكون الفعل مضارعا مسندا إلى واو الجماعة مؤكدا بالنون الثقيلة نحو قولك « لا تضربنّ يا زيدون » وكذلك المضارع المسند إلى ياء المؤنثة المخاطبة وهو مؤكد بالنون الثقيلة أيضا نحو قولك « لا تضربنّ يا هند » فإن واو الجماعة في المثال الأول وياء المخاطبة في المثال الثاني محذوفان ؛ للتخلص من التقاء الساكنين ، ونظير هما الفعل المسند لواو الجماعة أو لألف الاثنين أو لياء المخاطبة إذا وقع بعده ساكن نحو « الزيدون أتقنوا العمل » و « الزيدان أتفنا العمل » و « اضربي المقصر يا هند » إلا أن الحذف في هذه الأمثلة يظهر في النطق ، لا في الكتابة ، ولم يعبأ المصنف بهذا الحذف ؛ لأنه واقع لعلة صرفية ، والمحذوف لعلة حكمه حكم الثابت ؛ فلهذا لم يذكر المؤلف شيئا من ذلك ، لكن مقام التعليم يقتضي ذكره لإرشاد الناشئ .