ابن هشام الأنصاري

173

شرح قطر الندى وبل الصدى

« [ 54 ] » - فو اللّه ما فارقتكم قاليا لكم * ولكنّ ما يقضى فسوف يكون وقال الآخر :

--> ( [ 54 ] ) - نسب جماعة هذا البيت للأفوه الأودي ، ولكن البيت وارد في أمالي القالي ( ج 1 ص 99 ) وفي كثير من كتب النحو منها الأشموني ( رقم 168 ) ولم نجد أحدا ممن يوثق بنقله قد نسبه لقائل معين . اللغة : « قاليا » كارها ، وتقول : قلوته أقلوه مثل دعوته أدعوه ، وقليته أقليه مثل رميته أرميه ، وقليته أقلاه مثل رضيته أرضاه ، ومعناه في لغاته الثلاث كرهته « يقضى » بالبناء للمجهول ، يقدره اللّه تعالى « سوف يكون » يريد أنه يقع ويوجد بغير شك . المعنى : يقول لأحبته : إن مفارقته لهم لم تكن عن كراهية منه في البقاء بينهم ، ولا كانت عن رغبة منه في ذلك ، ولكنها قضاء اللّه الذي لا مرد له . الإعراب : « واللّه » الواو حرف قسم وجر ، ولفظ الجلالة مقسم به مجرور بالواو ، والجار والمجرور متعلق بفعل القسم المحذوف « ما » نافية « فارقتكم » فارق : فعل ماض ، والتاء ضمير المتكلم فاعل ، مبني على الضم في محل رفع ، والكاف ضمير المخاطب مفعول به مبني على الضم في محل نصب ، والميم حرف دال على الجمع « قاليا » حال من ضمير المتكلم منصوب بالفتحة الظاهرة « لكم » جار ومجرور متعلق بقال « ولكن ما » الواو حرف عطف ، ولكن حرف استدراك ونصب ، ما : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم لكن « يقضى » فعل مضارع مبني للمجهول ، مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما ، والجملة من يقضى ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول « فسوف » الفاء زائدة ، سوف : حرف دال على التنفيس « يكون » فعل مضارع تام ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما يقضى ، والجملة من يكون وفاعله في محل رفع خبر لكنّ . الشاهد فيه : قول « لكن ما . . . . » فإن المؤلف قد توهم أن « ما » هذه كافة ، وأنها دخلت على « لكن » فمنعتها من العمل وأزالت اختصاصها بالجملة الاسمية ، وقد تابعه الأشموني على هذا ، وهذا الذي توهمه المؤلف خطأ ، بل « ما » هذه موصول اسمي هو اسم « لكن » كما قررناه في عبارة الإعراب ، و « لكن » هنا عاملة النصب والرفع ، وهي داخلة على جملة اسمية لا فعلية ، فافهم ذلك كله . وصواب الاستشهاد لما أراد المؤلف الاستشهاد له بقول امرئ القيس : ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي فإن « ما » في هذا البيت زائدة ، وقد كفت « لكن » عن العمل ، وقد أمكنتها من الدخول على الجملة الفعلية - وهي جملة « أسعى » مع فاعله المستتر فيه - وإنك لتجد المؤلف قد استدرك ذلك في باب إن وأخواتها من كتابه أوضح المسالك .