ابن هشام الأنصاري

14

شرح قطر الندى وبل الصدى

مسائل اللغة والأدب والتاريخ العربي ما سمح له بالإتقان ، بل لا بدّ أن يكون قد وجد من والده منذ نشأته الأولى في القسم الابتدائي حثّا على الدأب في المذاكرة ، ومواصلة التوجيه ، وقوة التتبع حتى بلغ الطالب أشده واستوى على سوقه ، وقد اعترف لوالده بواجب البر حين جعل إهداء الشرح لوالده ، وحين قال في ذلك الإهداء : ( سيدي الوالد : إلى نفسك الطاهرة ، وحكمتك العالية ، وأدبك الجم ، وفضلك الغزير ، أقدّم كتابي هذا . لقد ربيتني على الفضيلة ، وحببت إليّ العمل ، وزهدتني في الدعة والونى ، وعند اللّه في ذلك جزاؤك ، فليس بيدي شيء منه ، ولا في استطاعتي أن أناله ، ولو رقيت أسباب السماء ، ولكني أتقدم إليك بكتابي هذا برهانا على أنك غرست فأثمرت ، وبذرت فأنميت ، ودليلا على أن غراسك سيزداد نموا بمر الأيام إلى أن يؤتي أكله مرتين بإذن اللّه ) والحق أن الغراس قد آتى أكله مرات عدة ، فإن ما أخرجه الأستاذ من الكتب العلمية تأليفا وتحقيقا ليعجز القرناء ، حتى ليأتوا خلفه تابعين » « 1 » . « تتلمذ الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد على جيل الرواد الإسلاميين الكبار الذين ازدانت بهم الحياة المصرية في أوائل القرن العشرين ، وكانوا دعامة النهضة العربية والأدبية والوطنية في العالم العربي كافة ، ومضى على تخرجه في الأزهر الشريف - يحمل شهادة العالمية أعلى شهاداته العلمية آنذاك - نحو نصف قرن من الزمان ، وكان نجاحه بل تفوقه يومئذ مثار الدهشة ، فقد جاء الأول على فحول أقرانه من العلماء » « 2 » . « واختير مدرسا بالجامع الأزهر ، وظهر من دلائل فضله العلمي ما أعدّه بعد خمس سنوات فحسب ، لأن يكون مدرسا بكلية اللغة العربية سنة 1931 م ، إذ أصدر عدة أجزاء من شرح خزانة الأدب للبغدادي جاءت خالية من التحريف وحافلة بالضبط والتعليق ، فأذاعت علمه كما أذاعه تلاميذه الذين نهلوا من حياضه وأساتذته من المفتشين الذين شهدوا بنبوغه وتحدثوا عنه مكبرين ، وقد كان أصغر أعضاء هيئة التدريس بالكلية سنّا ، ولكن مقامه العلمي دفعه إلى الصدارة ، فاختير سنة 1935 م للتدريس بتخصص المادة

--> ( 1 ) من كتاب « النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين » للدكتور إبراهيم رجب البيومي ، عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة . ( 2 ) من قرار جامعة الأزهر بترشيحه لنيل جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1971 م