ابن هشام الأنصاري
103
شرح قطر الندى وبل الصدى
ولو كان المتقدم نفيا أو خبرا مثبتا لم يجزم الفعل بعده ؛ فالأول نحو : « ما تأتينا تحدّثنا » برفع تحدثنا وجوبا ، ولا يجوز لك جزمه ، وقد غلط في ذلك صاحب الجمل ، والثاني نحو : « أنت تأتينا تحدّثنا » برفع تحدثنا وجوبا باتفاق النحويين « 1 » . وأما قول العرب : « اتّقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه » بالجزم ؛ فوجهه أنّ اتّقى اللّه وفعل وإن كانا فعلين ماضيين ظاهرهما الخبر إلا أن المراد بهما الطلب والمعنى ليتّق اللّه امرؤ وليفعل خيرا ، وكذلك قوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، يَغْفِرْ لَكُمْ « 2 » فجزم يَغْفِرْ لأنه جواب لقوله تعالى : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ ؛ لكونه في معنى آمنوا وجاهدوا ، وليس جوابا للاستفهام ؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبّب عن نفس الدلالة ، بل عن الإيمان والجهاد . ولو لم يقصد بالفعل الواقع بعد الطلب الجزاء امتنع جزمه ، كقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ « 3 » فتطهرهم : مرفوع باتفاق القراء ، وإن كان مسبوقا بالطلب وهو خُذْ ؛ لكونه ليس مقصودا به معنى إن تأخذ منهم صدقة تطهرهم ، وإنما أريد خذ من أموالهم صدقة مطهرة ؛ فتطهرهم : صفة لصدقة ، ولو قرئ بالجزم على معنى الجزاء لم يمتنع في القياس ، كما قرئ قوله تعالى : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي « 4 » بالرفع على
--> - الظرفية ، وهو متعلق بمحذوف حال من سقط اللوى وبين مضاف وقوله « الدخول » مضاف إليه ، مجرور بالكسرة الظاهرة « فحومل » حومل : معطوف بالفاء على الدخول ، والمعطوف على المجرور مجرور ، وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره . الشاهد فيه : قوله « نبك » فإنه فعل مضارع غير مقرون بالفاء ، وقد سبقه فعل أمر ، وهو قوله : قفا ، وقصد الشاعر أن يجعل البكاء مسببا عن الوقوف ، ولذلك جزم هذا المضارع في جواب الأمر ؛ فحذف منه حرف العلة الذي هو آخره ، وهذا الحذف هو أمارة الجزم ، مع أنه لا مانع في الكلام من ذلك ؛ لأنه يصح لك أن تقول : إن تقفا نبك ، فافهم ذلك ، واللّه يرشدك . ( 1 ) إنما وجب الرفع بعد الخبر المثبت وبعد النفي لأن صحة الجزم تقتضي أن يكون السابق سببا ، ولا يكون الخبر المثبت سببا وهو ظاهر ، والنفي لا يكون سببا أيضا ، ألا ترى أنك لو قلت « ما تأتينا فتحدثنا » لم يعقل أن يكون تقدم عدم الإتيان سببا في الحديث . ( 2 ) الآيات 10 ، 11 ، 12 من سورة الصف . ( 3 ) من الآية 103 من سورة التوبة . ( 4 ) من الآيتين 5 6 من سورة مريم .