محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
60
شرح الكافية الشافية
فإن كان آخر الفعل ألفا ك " يخشى " و " يسعى " حذفت الألف وحركت ياء المؤنثة وواو الجمع بما يجانسهما ؛ نحو : " هل تخشينّ يا هند " ، و " هل تسعونّ يا قوم " ، ولو كانت النون خفيفة لقلت : " هل تخشين يا هند " ، " هل تسعون يا قوم " . ولو كان المسند إليه ألفا لم يجز أن يؤتى بالنون إلا مشددة ؛ هذا مذهب سيبويه " 1 " ، وغيره من البصريين ، إلا يونس فإنه يجيز أن يؤتى بعد الألف بالنون الخفيفة مكسورة ؛ ويعضد قوله قراءة بعض القراء : فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً " 2 " [ الفرقان : 36 ] ؛ حكاها ابن جنى " 3 " . ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان " 4 " : وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس : 89 ] .
--> ( 1 ) قال سيبويه : وأما يونس وناس من النحويين فيقولون : " اضربان زيدا " ، و " اضربنان زيدا " ، فهذا لم تقله العرب ، وليس له نظير في كلامها . لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم . ينظر : الكتاب ( 3 / 527 ) . ( 2 ) العامة على قراءة " فدمّرناهم " فعلا ماضيا معطوفا على محذوف ، أي : فذهبا فكذبوهما " فدمّرناهم تدميرا " أهلكناهم إهلاكا . وقرأ علىّ . كرم اللّه وجهه . " فدمّراهم " أمر لموسى وهارون ، وعنه أيضا : " فدمّرنّاهم " كذلك أيضا ، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة ، وعنه أيضا : " فدمّرا بهم " بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر ، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط ، ونقل عنه الزمخشري : " فدمّرتهم " بتاء المتكلم . فإن قيل : الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة . فالجواب : فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع . وقيل : إنه تعالى أراد اختصار القصة ؛ فذكر المقصود منها أولها وآخرها ، والمراد : إلزام الحجة ببعثة الرسل ، واستحقاق التدمير بتكذيبهم . واعلم أن قوله : " كذّبوا بآياتنا " إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال ، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة ، فاللفظ وإن كان للماضى ، فالمراد به المستقبل . ينظر : اللباب ( 14 / 531 ) . ( 3 ) قال أبو الفتح : " ألحق نون التوكيد ألف التثنية ؛ كما تقول : اضربان زيدا ، ولا تقتلان جعفرا " . ( 4 ) قوله : " وَلا تَتَّبِعانِّ " قرأ العامة بتشديد التاء والنون ، وقرأ حفص بتخفيف النون مكسورة مع تشديد التاء وتخفيفها ، وللفراء في ذلك كلام مضطرب بالنسبة للنقل عنه : فأما قراءة العامة ف " لا " فيها للنهي ؛ ولذلك أكد الفعل بعدها ، ويضعف أن تكون نافية ؛ لأن تأكيد المنفى ضعيف ، ولا ضرورة بنا إلى ادعائه ، وإن كان بعضهم قد ادعى ذلك في قوله : لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا [ الأنفال : 25 ] لضرورة دعت إلى ذلك هناك ، وقد تقدم تحريره ودليله في موضعه ، وعلى الصحيح تكون هذه الجملة جملة نهى معطوفة على جملة أمر ، وأما قراءة حفص فتحتمل أن تكون للنفي ، وأن تكون للنهي ، فإن كانت للنفي كانت النون نون رفع ، والجملة حينئذ فيها أوجه : -